د. محمود خليل د. محمود خليل مجتمع التعويذة
10:02 م | الخميس 21 مارس 2019

لم يكن محمد على شخصاً عادياً، بل كان قائداً من طراز رفيع. فمن بين قلَّة من حكام مصر امتلك الوالى الجديد رؤية واضحة المعالم والأدوات، من أهم مميزاتها الوعى بخطورة الدور الذى يمكن أن يلعبه المماليك فى مناوأة ومعاكسة الدولة الجديدة. الجانب الأبرز الذى عنى به محمد على فى هذا السياق تمثَّل فى المسألتين العسكرية والسياسية، انطلاقاً من وعيه بقدرة المماليك على الإطاحة به عبر ما يمتلكون من أدوات قوة، وبما يتمتعون به من علاقات مع الباب العالى (والما بين) فى إسطنبول بالإضافة إلى علاقاتهم بأهم قوتين أوربيتين حينذاك، وهما إنجلترا وفرنسا. الالتفات إلى الجانبين العسكرى والسياسى لم يصرف وعى محمد على عن مخاطر الثقافة التى كرَّسها المماليك فى العقل والوجدان المصرى عبر قرون طويلة، وهو الوعى الذى تُرجم فى مشروع التعليم وغيره من مشروعات اجتهد الوالى من خلالها فى تكريس الثقافة العلمية والعقلانية ومواجهة الجهل والخرافة.

تأسست الثقافة المملوكية -كما حدثتك تفصيلاً- على الخرافة وإعلاء الدرويش على العالِم وتوظيف الدين كأداة لتنويم أو تمويت الشعوب، ومخاصمة العقل وقيم العقلانية، والاعتماد على ضربات الحظ فى تحقيق الأحلام. بعد القضاء على المماليك فى مذبحة القلعة استراح محمد على من التهديد السياسى الذى شكَّلته هذه الفئة لحكمه، وبدأ يهتم بمواجهة الثقافة الموروثة عنهم. اهتم الوالى بالتعليم اهتماماً ظاهراً، فاتجه إلى تأسيس المدارس وإحياء العلوم على اختلافها، ولا سيما الطب والهندسة وعمل السفن والمعاقل والحصون والمعادن والزراعة والطب البيطرى، وغير ذلك من جوانب رصدها المؤرخون، لكنه فى أغلب الأحوال لم ينظر إلى التعليم كهدف قدر ما اعتبره أداة ضمن مجموعة أدوات اعتمد عليها فى بناء الدولة التى كان يحلم بها.

الدور الأخطر الذى قام به محمد على فى مواجهة أشكال الدجل الموروث عن العصر المملوكى كانت ساحته الطب. فقد أنشأ مدرسة للطب وأخرى لـ«القوابل» وأنشأ مستشفيات على أحدث النظم. واستعان فى هذا السياق بالطبيب الفرنسى الشهير «كلوت بك». ونستطيع أن ندرك خطورة هذه الخطوة فى مواجهة الدجل إذا راجعنا أمر الطب والعلاج فى مصر قبلها. فقد كان أهل مصر لا يعولون إلا على ما تصفه العجائز ولا يرضون إلا بأقوال المشعوذين والدجالين، فكانوا إذا مرض أحدهم ذهب أهله فطرقوا له الودع وقاسوا الأثر وحسبوا النجم، فكل ما قاله الدجال صدقوه واعتمدوا عليه، ثم يكتبون له الأحجبة والتعاويذ والتحويطات الطويلة والعريضة، بالإضافة إلى عادات دفن الموتى وسط الأحياء بما لذلك من خطورة على الصحة العامة.

كان الطب بالإضافة إلى التعليم من المعاول الأساسية التى استخدمها محمد على فى ضرب الخرافة والدجل داخل المجتمع، لكن المشكلة أن الكثير من العادات ظلت على ما هى عليه داخل القرى والنجوع، ولم يصل إليها ما وصل إلى القاهرة من تحديثات. كما ظلت آثار الطفرة التعليمية التى شهدتها دولة محمد محصورة فى النخبة التى انخرطت فى المدارس والبعثات، لتمثل فيما بعد جزءاً من تركيبة السلطة. ويشير كلوت بك فى إحصائه لتلاميذ المدارس فى عصر محمد على إلى أن عددهم بلغ 9 آلاف تلميذ، وكان عدد سكان مصر حينذاك يتراوح ما بين 4 و4.5 مليون نسمة، ما يعنى أن المنخرطين فى المدارس لم يشكلوا نسبة تُذكر قياساً إلى إجمالى عدد السكان. لكن فى كل الأحوال لن ينسى التاريخ فضل محمد على باشا فى هز مجتمع التعويذة «المملوكى».

تعليقات الفيس بوك

عاجل