د. لميس جابر د. لميس جابر يوم المرأة المصرية.. بين الحقيقة والفيس بوك
10:00 م | الجمعة 22 مارس 2019

لا أعرف إلى متى يستمر استسهال اللغو التاريخى وتأليف أحداث لم تحدث، وكتابة أسماء وهمية، بل وانتشار المعلومة على أوسع نطاق فى وسائل الخراب والجهل الاجتماعى لتنقلها المواقع ويرددها الإعلام ويرسلها الناس لبعضهم البعض وهى فى الأول والآخر بعيدة تماماً عن حقائق التاريخ.

كان يوم 16 مارس 2019 هو يوم المرأة المصرية رقم 100 حيث إن الحدث وقع فى مارس 1919 وقيل الآتى: «زى النهارده من 100 سنة سقطت نعيمة محمد عبدالحميد، وحميدة خليل، وفاطمة محمود، ونعمات محمد، وحميدة سليمان، ويمنى صبيح، شهيدات فى أول مظاهرة نسائية تطالب باستقلال الوطن ورحيل المحتل عن أراضينا، وأصبح هذا اليوم عيداً للمرأة المصرية».. كان هذا ما قيل وانتشر وتوغل وطغى ولكن للأسف الحقيقة شىء آخر.

أولاً: الاسم الوحيد الحقيقى فى أسماء الشهيدات الستة هو «حميدة خليل»، وهى أول شهيدة فى ثورة 1919 وقد سقطت فى مظاهرة فى السيدة زينب يوم الجمعة الموافق 14 مارس 19 وهى من كفر الزغارى بالجمالية وهذه المعلومة من دفاتر أقسام العاصمة (عبدالرحمن الرافعى).

ثانياً: الأحد 16 مارس كانت مظاهرة النساء هى أول مشاركة من المرأة المصرية فى أحداث الثورة وكان الغرض منها الاحتجاج على ما أصاب الأبرياء من القتل والتنكيل فى المظاهرات السابقة وخرجت سيدات وآنسات مصر وعددهن يزيد على الثلثمائة من كرام العائلات وأعددن احتجاجاً مكتوباً ليقدمنه إلى معتمدى الدول باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وهذا تعريبه: «جناب المعتمد.. ترفع لجنابكم السيدات المصريات أمهات وأخوات وزوجات من ذهبوا ضحية المطامع البريطانية، احتجاجهن على الأعمال الوحشية التى قوبلت بها الأمة المصرية الهادئة لا لذنب ارتكبته سوى المطالبة بحرية البلاد واستقلالها تطبيقاً للمبادئ التى أعلنها الدكتور ويلسن -رئيس الولايات المتحدة فى ذلك الوقت- وقبلتها جميع الدول محاربة كانت أو محايدة. ونرجو أن ترفعوا هذا لدولتكم التى أخذت على عاتقها تنفيذ هذه المبادئ وإبلاغها ما شاهده رعاياكم من أعمال وحشية وإطلاق رصاص على الأبناء والأطفال والأولاد والرجال العزل لمجرد احتجاجهم بالمظاهرات السلمية على منع ممثلى الأمة من السفر للخارج لعرض قضية مصر على مؤتمر الصلح أسوة بباقى الأمم بل واعتقالهم وتسفيرهم إلى جزيرة مالطا». وسارت السيدات فى صفين متوازيين يحملن الأعلام الصغيرة وطفن فى الشوارع الرئيسية فى موكب كبير، هاتفات بحياة الحرية والاستقلال وسقوط الحماية وقوبلن فى كل مكان بتصفيق الناس وهتافهم، وأخذت النساء من شرفات ونوافذ المنازل يقابلنهن بالهتاف والزغاريد، ومررن بدور القنصليات ومعتمدى الدول الأجنبية لتقديم الاحتجاج المكتوب. وعندما وصلت المتظاهرات إلى شارع سعد زغلول فى محاولة للوصول إلى بيت الأمة ضرب الإنجليز حولهن حصاراً وسددوا البنادق والحراب تجاههن مهددين، وبقيت السيدات هكذا ساعتين تحت وهج الشمس فلم يخفن من التهديد بل تقدمت واحدة منهن تحمل العلم إلى جندى وجه إليها البندقية وقالت له بالإنجليزية، ما ترجمته: «نحن لا نهاب الموت.. أطلق بندقيتك إلى صدرى لتجعلوا فى مصر مس كافل ثانية».

و«مس كافل» هذه هى الممرضة الإنجليزية الشهيرة التى أسرها الألمان فى الحرب العالمية الأولى -والتى سبقت هذه الأيام بخمسة أعوام فقط- واتهموها بالجاسوسية وأعدموها رمياً بالرصاص وكان لمقتلها ضجة كبيرة فى العالم كله وأصبحت رمزاً وطنياً للإنجليز.. فخجل الجندى وفتح الطريق للسيدات، وعدن فكتبن احتجاجاً ثانياً على هذه المعاملة الغاشمة وألحقنه بالاحتجاج الأول.. وغير ذلك.

وبعد أربعة أيام، وفى 20 مارس 1919، خرجت المتظاهرات للمرة الثانية من جاردن سيتى لقصر العينى إلى شارع سعد وبيت الأمة هاتفات حاملات الأعلام المكتوب عليها:

«1» إننا نحتج على سفك دماء الأبرياء العزل من السلاح.

«2» نحتج على قتل الأبرياء.

«3» نطلب الاستقلال التام..

وغيرها من المطالب مترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية، وحوصرن مرة أخرى أمام منزل «سعد» نحو ساعتين فى الشمس، وأرسلن الاحتجاجات إلى سفارات الدول، وجاء القنصل الأمريكى وشاهد الحصار فأسرع إلى القيادة البريطانية واحتج على هذه الفظاعة فصدر الأمر برفع الحصار.

هذه هى حكاية يوم المرأة المصرية.. إذن، هو ذكرى أول مشاركة نسائية فى الثورة المصرية. وكتب عبدالرحمن الرافعى أسماء السيدات والآنسات من التوقيع فى أصل وثيقة الاحتجاج، وهن على سبيل المثال: حرم سعد باشا زغلول «أم المصريين» هدى هانم شعراوى- حرم محمد سعيد باشا «خال الملكة فريدة بعد ذلك»- حرم إسماعيل صدقى باشا- حرم إسماعيل سرى باشا- حرم محمود سامى البارودى، كريمة محمود سامى البارودى- كريمة حنا بك مسيحة- حرم على بك مبارك- حرم ويصا واصف- كريمة إسماعيل باشا أباظة وكريمة محمود أباظة والسيد أباظة وعبدالله بك أباظة- حرم بهى الدين بركات «وهم عائلة والدة سعد زغلول»- حرم قاسم أمين، وكتب فى هذا الحدث الشاعر حافظ إبراهيم قصيدة رائعة فى مظاهرة السيدات يقول مطلعها:

«خرج الغوانى يحتججن.. ورُحت أرقب جمعهنه

فإذا بهن تخذن من سود الثياب شعارهنه

فطلعن مثل كواكب يسطعن فى وسط الدجنة

وأخذن يجتزن الطريق ودار «سعد» قصدهنه

وإذا بجيشٍ مقبل والخيل مطلقة الأعنة

وإذا الجنود سيوفها قد صُوّبت لنحورهنه».

وأى فرق بين اللغو والتاريخ.. والله حرام.

تعليقات الفيس بوك

عاجل