ليه نحبس الغارمين لما ممكن نشغّلهم؟

كتب: سلمان إسماعيل

ليه نحبس الغارمين لما ممكن نشغّلهم؟

ليه نحبس الغارمين لما ممكن نشغّلهم؟

منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى السلطة وهو يتبنى مبادرات كثيرة لتسديد ديون الغارمين والغارمات والعفو عنهم، ويوجه الحكومة باتخاذ محاولات جادة لتخفيف معاناتهم وتمكينهم اقتصادياً بتوفير فرص عمل تضمن لهم ولأسرهم حياة كريمة وتحميهم من الاحتياج والاستدانة، ضمن الاستراتيجية القومية لتوفير الحماية الاجتماعية للفقراء، لكن هذه المبادرات والمحاولات تصطدم بحائط تشريعى دفع قانونيين ونواباً بالبرلمان من المهتمين بقضايا الحماية الاجتماعية وتحقيق التكافل الاجتماعى، إلى إعداد مشروعات قوانين لوضع فلسفة عقابية جديدة للغارمين.

ومن بين مشروعات القوانين التى طُرحت فى هذا السياق، مشروع قدمه المستشار سامح عبدالحكم، الرئيس بمحكمة الاستئناف، يستبعد عقوبات الحبس المقيدة للحريات، لتحل محلها عقوبات بديلة تحمى الشخص من السجن وتحفظ أسرته من الأزمات والتفكك، كما أنها تصون حق الدولة والمجتمع فى توقيع عقوبة عليه، حتى لا يكون القانون مشجعاً على المخالفة. وقال «عبدالحكم» إنه قدم مشروع قانون «بدائل العقوبات المقيدة للحريات فى الجرائم البسيطة»، الخاص بتخفيف العقوبات الموقعة على الغارمين والغارمات، قبل عام، إلى المجلس القومى للمرأة، الذى عقد جلسة استماع له وأبدى ترحيبه بالمشروع، مضيفاً أنه فى هذه الفترة وُجدت رغبة من مؤسسة «مصر الخير» أن يتخطى هذا المشروع مرحلة المناقشات، وأن نقدمه إلى مجلس النواب، وهذا ما حدث بالفعل.

ملامح مشروع "العقوبات البديلة": يوفر فرص عمل ويؤمّن الأسرة من الاستدانة

وأوضح «عبدالحكم»، فى تصريحات لـ«الوطن»، أنه عرض مشروع القانون على النائب سليمان وهدان، وكيل مجلس النواب، فرحب به، وجمع عليه العدد اللازم من توقيعات النواب، ثم تمت إحالته إلى اللجنة التشريعية بالبرلمان، مضيفاً أن مشروع القانون ليس خاصاً بالغارمات فقط، حتى لا يقع فى فخ عدم الدستورية، باعتباره من القوانين التمييزية، إنما هو خاص بالعقوبات البديلة، وهو نهج موجود فى العالم كله.

وقال إنه من العقوبات البديلة «العمل لصالح المجتمع»، باعتباره نظاماً عقابياً يطبَّق على الجناة خارج أماكن الاحتجاز بدون مقابل خلال المدة التى تقررها المحكمة لتفادى مساوئ الحبس، ويكون ذلك فى الجرائم التى لا تنطوى على خطورة شديدة، مثل جرائم أصحاب الدين والجرائم المالية التى لا يكون الشخص فيها مجرماً بطبيعته، مؤكداً أن المشروع فى مادته الـ14 ترك للائحة التنفيذية تحديد جدول من الخبراء الاجتماعيين يتم تعيينهم من وزارة العدل لفحص الحالات التى تنطبق عليها العقوبات البديلة.

وأضاف أنه «يجوز للمحكمة، من خلال ما اقترحته، أن تحدد إقامة المحكوم عليه داخل المنزل مع العمل لصالح المجتمع، خاصة إذا كان العائل الوحيد لأسرته، وهو نهج حديث يسعى للاستفادة من التشريعات العقابية الحديثة وتوفير المليارات على الدولة»، مشيراً إلى أن «السجين يكلف الدولة نحو 4 آلاف جنيه، والتشريعات العقابية الحديثة فى جميع دول العالم تطورت ونحن لم نتطور».

وتابع: «قدمت هذا المشروع بنهج جديد وحديث لتشغيل الغارمين والغارمات فى مشروعات صغيرة ومتوسطة لتحقيق الإنتاج واستغلال قيمة وربحية هذا الإنتاج بالتساوى بين الدولة وأصحاب الديون والمحكوم عليه نفسه»، مشيراً إلى أن 25% تقريباً من إجمالى المسجونين فى المؤسسات العقابية هم من الغارمين والغارمات.

لجنة لتحديد المستفيدين من المشروع.. وتقسيم عائد العمل بين الدولة والدائن والمحكوم عليه

ويتضمن مشروع القانون 25 مادة، ينتهج خلالها بديل العمل لصالح المجتمع كأنسب البدائل العقابية المطروحة للتطبيق والمناسبة للمجتمع المصرى لتفادى النتائج الضارة التى تترتب على الحبس قصير المدة، خاصة أن إيقاف التنفيذ كبديل عقابى منصوص عليه وفقاً للمادة (17) من قانون العقوبات المتعلقة بحق استعمال الرأفة المخوَّل للقضاة بالنسبة للمحكوم عليهم فى قضايا الجنايات، كذلك الوضع تحت الاختبار، أو ما يسمى بالاختبار القضائى، منصوص عليه بالقانون 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون 126 لسنة 2008 بالمادة (106)، والذى يتضمن وضع الطفل فى بيئة معينة تحت التوصية والإشراف، مع مراعاة الواجبات التى تحددها المحكمة، ولا يجوز أن تزيد مدة الاختبار على ثلاث سنوات.

كذلك الإفراج الشرطى، المنصوص عليه بقانون السجون المصرى من المادة (52) حتى المادة (64)، والعمل للمنفعة العامة، الذى أشارت إليه الفقرة الثانية من المادة (18) من قانون العقوبات المصرى، ونصت على أنه «لكل محكوم عليه بالحبس البسيط لمدة لا تتجاوز ستة أشهر أن يطلب بدلاً من تنفيذ عقوبة الحبس عليه تشغيله خارج السجن طبقاً لما تقرر من القيود بقانون الإجراءات الجنائية إلا إذا نص الحكم على حرمانه من هذا الخيار».

ويُقصد بالعمل لمصلحة المجتمع، باعتباره نظاماً عقابياً يطبَّق على الجناة خارج المؤسسات العقابية، إلزام المحكوم عليه بالقيام بأعمال معينة لخدمة المجتمع خلال المدة التى تقررها المحكمة، والهدف الأساسى من هذا النظام هو تفادى المساوئ التى تنطوى على عقوبة الحبس قصير المدة، وتظهر أهمية هذا الدور على وجه الخصوص بالنسبة للمجرمين الذين لا تنطوى شخصيتهم على خطورة إجرامية كبيرة على المجتمع، إذ يكفى لإصلاحهم وتأهيلهم اجتماعياً مجرد تقييد الحرية عن طريق إلزامهم بتأدية بعض الأعمال لخدمة المجتمع وفرض مجموعة من تدابير الرقابة والإشراف عليهم. وقد وُجهت بعض الانتقادات لهذا النظام، أهمها أنه يولد شعوراً بضعف النظام العقابى، مما يؤدى لإضعاف القيمة الرادعة للعقوبة، ولكن الرد على هذا النقد، ببساطة شديدة.

"عبدالحكم": ربع المسجونين فى مصر قضاياهم بسيطة.. والسجين الواحد يكلف الدولة 4 آلاف جنيه شهرياً

ويهدف مشروع قانون «عبدالحكم» المطروح إلى تحويل عقوبة الحبس قصير المدة لبدائل عدة يختار من بينها القاضى أو المحكمة، فى قضايا الغارمين والغارمات، بقصد تدبير بديل، وهو تحويل عقوبة الحبس فى قضايا الدَّين (الغارمين والغارمات) إلى العمل فى إطار مشروعات صغيرة ومتوسطة من خلال إشراك الجهات المعنية، بحيث يتم تشغيل المحكوم عليهم من الغارمين والغارمات فى قضايا الدَّين بتلك المشروعات لتحقيق الإنتاج، ويتم استغلال قيمة وربحية ذلك الإنتاج بواقع ثلث قيمة الإنتاج لصالح الدولة للتوسع فى إتاحة وتشغيل مشاريع أخرى من ذات النوع، والثلث الآخر للمساهمة فى تسوية الدين، والثلث الأخير لتحقيق دخل للمحكوم عليه خلال تلك الفترة، وأن يتم تطبيق ذلك على ثلاث مراحل على النحو التالى:

المرحلة الأولى: وهى الحالات السابقة على تداول الدعوى أو المحاكمة (مرحلة الحبس الاحتياطى)، ويتم تطبيق التدابير البديلة خلال هذه المرحلة بالتنسيق ما بين النيابة العامة ووزارة الداخلية بقرار من النيابة العامة.

المرحلة الثانية: وهى الحالات المتداولة (مرحلة تداول الدعوى)، أى أن تكون الدعوى منظورة أمام قاضى الموضوع فور دخول القانون حيز النفاذ.. سواء محكمة الجنح أو محكمة الجنح المستأنفة، وهنا يكون للقاضى سلطة القضاء بأحد التدابير البديلة أثناء تداول الدعوى ثم الحكم بإحدى العقوبات البديلة المنصوص عليها بالقانون.

المرحلة الثالثة: الحالات المحكوم فيها (المرحلة اللاحقة على الحكم فى الدعوى)، وهنا يسمح القانون بتقديم تظلم من المحكوم عليه إلى المحكمة الاستئنافية المنعقدة فى غرفة المشورة للنظر فى اتخاذ العقوبة البديلة عن الحبس.

 

 

أقرا أيضا 

نواب يستعجلون مناقشة قانون إلغاء عقوبة الحبس للغارمين والتأخير بسبب ازدحام أجندة «التشريعية»

فك كرب 74 ألف غارم وغارمة منذ أغسطس 2013

غارمات: واجهنا ظروفاً مأساوية بسبب الفقر والجشع.. و«مصر الخير» أعادتنا للحياة

 


مواضيع متعلقة