«طاقة القدر!!»

أربعينى صاحب بشرة داكنة بلون الشقاء والتعب، له أنف أقنى، لكنه يبدو خاضعاً أمام ظروفه الصعبة، تجاعيد خفيفة قبل موعدها رسمتها الهموم، وشعيرات بيضاء على جانبى رأسه معها تقدّم العمر قبل الأوان، بجلباب رصاصى ربما تكتمل معه الصورة، يميل برأسه قليلاً بين الألم والأمل، بين الصبر واليأس، بين الحاجة وقلة الحيلة، يميل برأسه هائماً فى ملكوته أو شجونه وهمومه، ملامح وجهه تقول يبدو أن لديه حملاً ثقيلاً، داخل سيارة أجرة متهالكة ضيقة على ركابها كما هى دنياه، تميل بهم يميناً ويساراً بلا راحة، كما كان الحديث أيضاً يأتى حوله يميناً ويساراً، ومن أمامه منذ بداية تحركه.

فجأة إلى جهة اليمين قليلاً يدير أذنه، ينصت باهتمام شديد عندما اجتذبه حديث هذا الذى يجلس أمامه فى سيارة الأجرة يتحدث قائلاً: «بيقولوا ليبيا خلاص قربت تفتح وكلها كام يوم».. ليرد الذى ظل صامتاً هائماً فيما يفكر فيه واتسعت عيناه متلهفاً: «والله دى تبقى طاقة القدر واتفتحت.. عندى بنت عايز أجوّزها، والله ما عارف أعمل إيه ولا إيه، وكل يوم الحاجة بتغلى، ومفيش رحمة، والواحد خلاص هيموت جوّاه»، قال كلماته بصوت عالٍ كأنه يوجّه صرخة، ثم تمهل قليلاً وهدأ وسأل مرة أخرى: «الكلام ده بجد؟»، فأجابه هذا الذى يجلس أمامه بعمامته: «أيوة الحكومة الليبية جات مصر، وطلبت عمالة، ومصر هتعمّر ليبيا بـ100 مليار دولار». الحديث كان يدور إلى جوارى بلا اهتمام منى، فتعودت على الحديث بشأن ليبيا، لكن الحديث جذبنى، وأراه كثيراً على موقع التواصل «فيس بوك».

واصل «صاحب العمامة» تشجيعه، متحدثاً للناس عن ليبيا والأجور، حتى إنه قال إن الفرد الواحد سيكون بمقدوره توفير ما لا يقل عن 50 ألف جنيه فى الشهر الواحد. تداخلت فى الحديث بأن الليبيين بالفعل فى حاجة إلى العمالة المصرية، ويطلبون مراراً وتكراراً، اتصلت بالفعل بمسئولين ليبيين وأكدوا الأجور الكبيرة، ولكن، نحن، أقصد الحكومة المصرية، من لا يسمح أمنياً للمصريين بدخول ليبيا، ببساطة لسنا بحاجة إلى كوارث قتل وخطف وتعذيب جديدة، ربما تفكر الحكومة هكذا، لكن الرجل جادلنى: «يفتحوها بدل ما الشباب كده كده بيسافروا تهريب وبيوقّعوا قلبنا معاهم، والدنيا بقيت صعبة جداً، إحنا مش عارفين هنروح فين بعد كده؟».

سؤال ورأى منطقيان، بالفعل أسمع عن أرقام ورواتب فوق الممتازة للعاملين المصريين فى حال ذهابهم إلى ليبيا بشكل شرعى، وجهات ليبية تطلب ذلك، نعم، الأوضاع الأمنية فى ليبيا صعبة للغاية، لكن الظروف المعيشية هنا أصعب، إننى أتذكر قريتى الواقعة فى محافظة الفيوم، كم من الشباب والبيوت أُفقروا لإغلاق ليبيا، كم من الشباب قُتلوا لمحاولتهم دخول ليبيا بشكل غير شرعى إلى ليبيا: هذا بالرصاص، وهذا صعقاً بالكهرباء وهذا بالطرق على الرأس، ورغم ذلك يسافر الشباب يغمضون أعينهم عن الألم من أجل الحلم.

إذا كان هذا واقعاً، إذن، لماذا لا تعمل الحكومة على توفير صيغة تناسب هؤلاء الشباب أو الراغبين فى العمل بليبيا مع بعض الجهات الليبية؟ ولماذا لا تقدم الحكومة توضيحاً لهؤلاء بشأن طلبات الجانب الليبى التعاقد مع العمالة المصرية؟ لا أتمنى أن تبقى مسألة ليبيا مثلها مثل مسألة لعب مباريات كرة القدم فى مصر بدون جماهير دون معرفة أسباب واضحة ربما على سبيل «إراحة الرأس»، لكن الأمر فى حالة ليبيا يرتبط بـ«أكل عيش الناس».. أجيبونا يرحمكم، ويرحمهم الله.