رجائى عطية رجائى عطية حقائق القرآن.. وأباطيل أدعياء باريس (17)
10:03 م | السبت 13 أبريل 2019

دعنا من التلمود وما يثيره، ولنعد إلى العهد القديم وموقفه من «الأغيار»، وما يسببه ذلك من إشكالية حقيقية يصادفها المسيحى حين يتناول الكتاب المقدس المتضمن للعهدين القديم والجديد.

هذا الخطاب العنصرى المتعصب خلق ويخلق حرجاً بالغاً للخطاب الدينى المسيحى، وقد يبدو ظاهرياً أن الناس ألفت الاستسلام لمنظور ما ورد بالعهد القديم، إلاَّ أن هذا ليس صحيحاً، لأن الخطاب الدينى اليهودى منشور فى ذات الكتاب المقدس، الذى يحمل شطـره الثانى أناجيل المسيحية وخطابات ورسائل الرسل، وعين المسيحى تجرى بالضرورة على ما تضمنته أسفار العهد القديم، باعتباره على الأقل مرجعية تاريخية للديانة المسيحية ولظهور السيد المسيح عليه السلام، ثم هو أى المسيحى، يقرأ بأشـواق التدين ما فى أناجيل ديانته، ثم يقارن شاء أم أبى بالقصد وباللا قصد، بين ما جاء هنا مناقضاً كل التناقض ما جاء هناك، وهو لا يستطيع أن يتجنب ما تحادثه به نفسه من مناقضة المسيحية شريعة المحبة والسلام وملكوت السماء، لهذا الذى بالعهد القديم جملة وتفصيلاً.. قـد تحاشت الأناجيل شـرط «القرابة» فى بعض الوصايا فحذفتها، ولكن ماذا فى القتل والاستباحة والنسف والتحريق والتدمير واجتياح أراضى الغير واستلاب المغلوبين، ونهب الممتلكات، وبذر بذور العداوات والكراهات!!

إن المسيحى ليقرأ فى إنجيل متى 5.. موعظـة السيد المسيح علـى الجبل، ويقرأ فيما يقرأه أن كل ما قالـه السيد المسيح أنه لـم يجئ ليلغى الشريعة أو الأنبياء، ولكن ليكمل.. ثم يقرأ فى كل سطور الموعظة تعديلات عميقة تنبذ وتخالف ما شطح إليه السابقون من بنى إسرائيل.. يقول السيد المسيح عليه السلام: «سمعتم أنه قيل للأقدمين: لا تخالف قسمك.. أما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا أبداً».. (متى 34: 5 - 35) «وسمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. أما أنا فأقـول لكــم: لا تقاوموا الشر بمثله، بل من لطمك على خدك الأيمن، فأدر له الخد الآخر، ومن أراد محاكمتك ليأخذ ثوبك، فاترك لـه رداءك أيضاً».. (متى 5: 38 -40).. «وسمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا معاملـة الذين يبغضونكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكـم، فتكونوا أبناء أبيكم الذى فى السموات». (متى5: 43 - 45).. يمضى المسيحى فى قراءة أناجيله فيرى فيما يراه قول السيد المسيح: «لا تدينوا لئلا تدانوا. فإنكم بالدينونة التى بها تدينون تدانون، وبالكيل الذى به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذى فى عين أخيك، وأما الخشبة التى فى عينك فلا تفطن لها». (متى 7: 1 - 3).. أينما يمضى المسيحى فى أناجيله بالكتاب المقدس، يلمح مسحة إنسانية تفيض بالمحبة وتناقض كل المناقضة ما تقرأه عيناه ويقض مضجعه ما ورد بالعهد القديم. هذه المقارنة لا بد تجسد «الصدمة» التى بها يخرج القارئ المسيحى لما ورد بالعهد القديم، هذه الصدمة التى يعزى إليها تنافر العلاقة فى أوروبا بالذات بين أهل الديانتين، ساهم فى دفعها إلى منطقة الخطر الخصوصيات أو الإشكاليات اليهودية التى ألممنا ببعضها!

علاقة المسلمين باليهود فى الشرق الإسلامى

ومن الظواهر اللافتة، أن علاقة المسلمين باليهود، فى الشرق الإسلامى، لم تتسم بالصفحات المأساوية التى اتسمت بها علاقة الأوروبيين باليهود فى أوروبا، بل وبقى اليهود يتمتعون فى المجتمعات الإسلامية بكل الحقوق وبزغ منهم نجوم فى الحضارة الإسلامية فى جو من التسامح مجدول بقبول الآخر، ولم تنشأ الحساسيات إلاَّ بعد الشروع فى إقامة الكيان الإسرائيلى الإحلالى الاستيطانى فى فلسطين!

لا شك أن المتطرفين الإرهابيين، ساهموا بخطابهم المريض، وبممارساتهم الجانحة، فى إعطاء المادة للتهجم على الإسلام والتطاول على القرآن الكريم، لا يشفع لهؤلاء فى تجنيهم على الإسلام وكتابه أن نية التهجم مضمرة ومعقود عليها العزم، فهذا الجنوح الإرهابى الذى يأباه الإسلام، ويلصقونه به بغير حق، أعطى ويعطى الفرصة لانطلاق النوايا المضمرة إلى ممارسات ضالة هاذية بلغت حد التهجم على القرآن والتطاول عليه والتجرؤ الضرير على طلب حذف آيات منه!

إدانة أخرى واجبة

لا يفوت أصحاب الدعوة الهاذية الضالة لا يفوتهم أن الإسلام برىء تماماً من جرائم الإرهابيين، وأن الإرهاب لا دين ولا وطن له، ولا يفوتهم أن مبادئ الإسلام تقدس الروح حتى فى الطير والحيوان، وتدين القتل والإهلاك والتدمير، ولا يفوتهم أن الكيانات الإرهابية ضمت أوروبيين، وضمت غير مسلمين وملحدين، وأن تجمُّع هؤلاء وأولاء على القتل والاغتيال لا علاقة له بالإسلام ولا بأى دين من الأديان، ويناقض المبادئ الإسلامية السامية مناقضة تجعل هذه الجرائم «خروجاً» عن الإسلام، وتعتبر من عساه يفارقها ممن يتسمى بالإسلام، من «الخوارج» الذين خرجوا عن الدين، وناقضوا مبادئه وقيمه وأحكامه، وما حملته شريعته الإلهية من تقديس الروح وتوعد القاتل بعقاب الدنيا وبأشد أنواع العقاب والتعذيب فى الآخرة!

الإسلام نزل نوراً للعالمين، وهداية للضالين، وتكريماً للإنسان الذى فضله الله تعالى على كثير من خلقه تفضيلاً، يحمل رسالة بذلك إلى الناس كافة بغير تفرقة ولا عصبية ولا تمييز. فى الإسلام أن الله سبحانه وتعالى رب العالمين، وحامل رسالته رسول إلى الإنسانية وإلى الناس كافة، والذين يمارسون الإرهاب وينسبون أنفسهم وأعمالهم إلى الإسلام يرتكبون جناية مركبة، مخالفة مبادئه، وكتابه المبين.

لا يطلب الله تعالى، ولا يطلب القرآن من أحدٍ فى الأسرة الإنسانية أن يبغى على الآخرين، أو يظلم ويجور ويقتل، وإنما يطلب القرآن الكريم الولاء لله تعالى والاتجاه إليه لكى يغمر الدنيا السلام والاستقامة والعدل والمحبة.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل