همس العلم

يلعب البترول، وما زال، دورا هاما فى المجال الإقتصادي والسياسي فى العالم. وبعد مرور ما يزيد على قرن من الزمان (منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادى) على استخدامه أصبح البترول مثار تساؤل جاد؛ هل البترول نعمة أم نقمة على البشرية؟ إن البترول (الزيت والغاز الطبيعي) هو أهم مصادر الطاقة بين أنواع الوقود الحفري Fossil Fuel الذى يستغله الإنسان بشكل موسع وفى نفس الوقت فالبترول يعتبر من أكبر مصادر التلوث البيئي الذى يسبب خللا فى الاتزان البيئي لعناصر الكرة الأرضية (الحية وغير الحية) قد يكون من الصعب علاجه وقد يؤدى إلى هلاك الكثير من الكائنات الحية وفى مقدمتها الإنسان. تجدر الإشارة إلى أن البترول فى حد ذاته هو مادة طبيعية يقوم الإنسان باستخدامها وتسخيرها لمنفعته. وبنظرة سريعة على تاريخ البترول يمكن التعرف على سلوك الإنسان تجاه الاستفادة من البترول فى المجالات السلمية وغير السلمية مما قد يكون أساسا أو بداية للتوصل لإجابة للسؤال السابق. اكتشف الإنسان الرواسب البترولية على سطح الأرض منذ زمن بعيد، وقامت الحضارات القديمة باستخدام البترول فى أغراض عديدة. فقبل حوالي 6000 سنة قبل الميلاد أستخدم أهل حضارة حوض ما بين النهرين (العراق) وكذلك الصينيون القدامى الأسفلت (المكونات الصلبة لزيت البترول الثقيل) كمادة لاصقة فى أعمال البناء وفى الزخرفة وكمادة عازلة فى صناعة القوارب. دلت الحفريات اأثرية على أنهم استخرجوا الأسفلت من طبقات مدفونة بواسطة الحفر اليدوي البدائي. فى نفس الوقت فى مصر القديمة استخدم قدماء المصريين المواد البترولية فى تجهيز المومياوات وتحنيطها وحفظها إضافة إلى الإستخدامات السابقة لأهل ما بين النهرين والصين. استخدم زيت البترول والمسمى بالزيت الأخضر Green oil أو الزيت السوري Syrian oil ، لأول مرة فى التاريخ من قبل قدماء المصريين الذين أدخلوا بعض مكوناته الخفيفة فى مجال الطب كمادة ملينة للمعدة وفى تطهير الجروح وعمل ضمادات لها. حصل قدماء المصريين على زيت البترول من مناطق الرشح أو النز الزيتي السطحي عند منطقة جبل الزيت الواقعة على الساحل الغربى لخليج السويس. فى بلاد فارس (إيران) دلت بقايا الآثار القديمة في خوزستان على أن الأسفلت استخدم أيضا كمادة لاصقة وفى صناعة الحلى فى العصر السومري قبل 4000 سنة قبل الميلاد. تم أيضا إستغلال التجمعات البترولية السطحية واستثمارها قبل الميلاد بحوالي 2000 سنة فى منطقة شبه جزيرة القرم على البحر الأسود بجمهورية أوكرانيا. سجل كذلك إستخدام المواد الأسفلتية والقار كمادة لاصقة لتشييد برج بابل وكذلك تزيين جدران وأعمدة معابد البابليين بمخروطات من الطين المنغمسة فى البيتومين (البترول الثقيل) وذلك قبل 600 سنة قبل الميلاد. بذلك يكون أهل الحضارات القديمة فى مصر والعراق وإيران والصين قد استخدموا البترول فى الأغراض السلمية. ولكن لم يستمر ذلك طويلا حيث استخدم زيت البترول ومشتقاته فى الحرب عندما استعمله "الفرس" فى صناعة سهام النبال بغمسها في البيتومين أو زيت البترول الثقيل، وذلك أثناء حروبهم مع أهل "أثينا" قبل 480 سنة قبل الميلاد. كان العرب أول من استخدم عملية تقطير البترول لاستخراج مشتقاته، واستعمالها فى الأغراض السلمية والعسكرية وذلك فى منتصف القرن الثانى عشر الميلادي تقريبا. استخدم المنغوليون فى آسيا الوسطى بعض منتجات البترول "النافتا" القابلة للإشتعال فى عمل قذائف نارية عند حصارهم لمدن أعدائهم. فقد استخدم القائد المنغولي الشهير "جنكيزخان" هذا السلاح فى إشعال وحرق البوابات الخشبية لقلاع "بوخاريا" حتى تم سقوطها سنة 1220م. بعد ذلك استخدم البيزنطيون سلاحا يسمى "نار اليونانيين" Greek fire فى حروبهم ضد المسلمين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي، وبعدها انتشر هذا السلاح فى الحروب؛ وكان هذا السلاح عبارة عن قدور مسامية مملوءة بزيت البترول الذي يشعل بالبارود، لتنفجر هذه القدور وتشتعل مسببة الحرائق. تم التوسع فى استخدام البترول بعد ذلك فى أوروبا، حيث قام المسافرون والمهجرون إلى وروبا بجلب كميات من البترول المستخرج من البلاد الأخرى من آبار غير عميقة، وذلك فى القرن الرابع عشر. فى سنة 1539م تم تصدير أول برميل زيت بترول من فينزويلا إلى أسبانيا بواسطة الدون فرانسيسكو دي كاستيلانوس Francesco de Kastelanose وذلك لتخفيف آلام مرض النقرس الذى أصاب الإمبراطور تشارلز الخامس Charles Fifth . فى القرن السابع عشر الميلادي تم انتاج كميات غير قليلة من زيت البترول بتقطير صخور الطفلة الزيتية أو البيتومينية Oil Shale حيث استخدمت هذه الكميات فى رصف بعض الشوارع فى إيطاليا. ثم بدأت حقبة استخدام البترول كوقود فى عام 1725م حين قام الملك بطرس الأكبر Peter “ The Great” بجلب زيت البترول من مدينة باكو (جمهورية أذربيدجان) بالقوارب خلال نهر الفولجا فى روسيا حيث استخدمه كوقود. بعد ذلك بدأت مرحلة تعدين واستخراج البترول ومكوناته مثل الأسفلت فى أوروبا وذلك من الصخور الرسوبية المشبعة بهذه المكونات. تم استخدام الأسفلت أيضا فى رصف الطرق أثناء فترة حروب القائد الفرنسي الشهير نابليون فى القرن التاسع عشر. وقد تم فى نفس الوقت فى أوروبا الحصول على كميات تجارية من شمع البارافين لأول مرة من الزيت المستخلص من زيت صخور الطفلة الزيتية، واستخدم فى صناعة الشموع فى أوروبا. أدى هذا إلى تطور عمليات استخراج زيت الطفلة لإستخدامه فى الإضاءة وخاصة فى اسكتلندا. وظلت هذه الصناعة مستمرة حتى بدأت مرحلة استخراج زيت البترول الخام من الآبار بكميات تجارية إقتصادية وذلك فى الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة حفر الآبار العميقة على يد الكولونيل "دريك" فى نهاية القرن التاسع عشر. وشهد العالم بعد ذلك إكتشاف الكميات الضخمة من البترول فى دول الشرق الأوسط حيث بدأ ذلك فى مصر عام 1886م فى حقل بترول "جمسة" على الساحل الغربى لخليج السويس، ثم بعد ذلك فى منطقة الخليج العربى فى النصف الأول من القرن العشرين مما سبب تطورا هائلا وسريعا فى تقنيات هذه الصناعة حتى أصبح البترول عمادا للإقتصاد والصناعة فى بلدان العالم لتصدره المصادر المختلفة للطاقة. كما أصبحت مناطق استخراجة مطمعا ومصدرا للنزاعات السياسية التى سعت إليها القوى الدولية العظمى للإستيلاء على هذه المناطق. ومن ثم صار البترول مصدرا رئيسيا للتلوث البيئي كنتيجة للتوسع فى استخداماته كمصدر للطاقة ومادة أساسية فى صناعات البتروكيماويات فى الدول الصناعية المتقدمة. ولكن هل مازال يعيش العالم فى حقبة البترول أم هو فى سبيله لتجاوزها والاعتماد على مصادر بديلة للطاقة النظيفة صديقة البيئة؟ وعندئذ ماذا ستفعل الدول المصدرة للبترول التى يعتمد إقتصادها على استخراج البترول بالإحتياطيات الضخمة القابعة فى مصائدها تحت سطح الأرض؟ *أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم- جامعة حلوان