ماذا قال هيكل عن كواليس خطاب تنحي عبدالناصر؟
ماذا قال هيكل عن كواليس خطاب تنحي عبدالناصر؟
- خطاب تنحي جمال عبدالناصر
- تنحي جمال عبدالناصر
- نكسة يونيو
- يونيو 1967
- خطاب تنحي جمال عبدالناصر
- تنحي جمال عبدالناصر
- نكسة يونيو
- يونيو 1967
"الليلة ورغم أنّها كانت 24 ساعة، لكن أظن أنّ ما جرى فيها كافيًا ليملأ مجلدات بكاملها، أتعجب كيف مرت تلك الليلة؟، كيف طلع صباح هذا اليوم؟، وتصادف أو بالظروف كنت تقريبا في تلك اللحظة في بؤرة ما كان يجري في بؤرة الحوادث".. كلمات قليلة يصف بها الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، الشاهد الوحيد على تفاصيل خطاب التنحي، كواليس ليلة 10 يونيو، يوم تقدم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر باستقالته للشعب المصري، وذلك في الذكرى الـ52 لخطاب التنحي.
نكسة يونيو والهزيمة التي طالت الجيش المصري، كانت سببًا رئيسيًا في قرار الاستقالة، ففي الوقت الذي كانت الصحف لا تزال تتحدث عن المعارك الضارية التي تدور بشراسة على الجبهة، والإذاعة تعلن أرقام الطائرات المعادية التي يتوالى سقوطها، كان عبدالناصر يقرأ كشفًا وصله للتو بخسائر الجيش المصري، وعندها على حد تعبير هيكل: "أحس بهول الكارثة وأدرك أنّه لن تكون هناك ضربة ثانية أو ثالثة، ومع ذلك حاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وطالب القادة الميدانيين بالصمود، لكنّه عندما أدرك أنّ الأمر أصبح غير قابل للسيطرة، اتصل بوزير الخارجية محمود رياض، ليطلب من السفير القوني سفير مصر في الأمم المتحدة نيويورك، إبلاغ موافقة مصر على وقف إطلاق النار".

خلال جلسة منفردة جمعت عبدالناصر بعبدالحكيم عامر، اقترح الزعيم تقديم استقالته للشعب، وأنّ يكون شمس بدران رئيسًا مؤقتًا لمصر، ووافق عامر، بعدها اتصل ناصر بهيكل في مكتبه بصحيفة الأهرام، ووصف هيكل تلك المكالمة في كتابه "الانفجار"، قائلًا: "بدا صوته لأول وهلة على التليفون مثقلًا بهموم الدنيا كلها، سألني ما الذي أقترح عمله، وكان رأيي أنّه لم يبق أمامه غير الاستقالة، وكان رده بالحرف: (غريبة هذا ما فكرت فيه تمامًا)، وكان ردي أنّه ليس هناك خيار آخر، وكان تعليقه بالموافقة".
طلب جمال من هيكل كتابة خطاب التنحي، ظل هيكل يكتب مسودات الخطاب طيلة الليل، وفي الصباح اتجه لبيت عبدالناصر ومعه مشروع الخطاب، يقول: "أرهقتني سطوره أكثر من أي شيء آخر كتبته من قبل، وظننت أنّني حفظت العبارات والألفاظ من كثرة ما راجعتها وغيرت فيها وبدلت".
ووصف هيكل تعبيرات وجه عبدالناصر في ذلك الوقت: "أضاف إلى عمره 10 سنوات على الأقل، كان مرهقًا بشكل يصعب وصفه، وكانت في عينيه سحابة حزن لم أرها من قبل"، وذلك قبل أنّ يتناقشا سويًا في تفاصيل الخطاب، بعدها، اختلف ناصر وهيكل على نص عبارة في الخطاب، كانت هي أهم العبارات فيه وربما هي أشهر عبارة في الخطاب بعد ذلك، وهي عبارة كانت صيغتها الأولى تقول: "برغم أي عوامل قد أكون بنيت عليها موقفي من الأزمة، فإنني على استعداد لتحمل نصيبي من المسؤولية"، واعترض ناصر مؤكدًا أنّه يتحمل المسؤولية كلها، وهنا علق هيكل: "لم أختلف معه فيما قال، وأعدت صياغة العبارة على الفور فجعلتها كالآتي (إنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها)، وكان تعليق ناصر على هذه الصياغة الجديدة: (تلك هي الحقيقة وهذا أدق وأكرم)".
وعقب الاتفاق على الخطوط النهائية للخطاب، حمل هيكل خطاب التنحي واتجه به نحو مكتب سامي شرف، مدير مكتب عبدالناصر، لكتابته على الآلة الكاتبة، ثم عاد هيكل بعدها إلى ناصر، ودار بينهما حوارا طويلا عن الساعات، كان أبرز نقاطه ما ذكره هيكل في كتابه: ناصر: "لا أستطيع أنّ أتصور ما سيفعله الناس، والله لو أنّهم أخذوني إلى ميدان التحرير وشنقوني فيه لما اعترضت عليهم، لهم الحق". هيكل: "ليس هناك ضرورة لأنّ تدفع مشاعرك إلى هذه الدرجة، فما حدث لك شيء حدث من قبل كثيرًا في التاريخ، واعتقادي أنّ البلد واجه نكسة، ولكنه قادر على القيام منها بقواه الذاتية". ناصر: "أتصور أنّ الناس بعد مفاجأة استقالتي، سيطلبون معرفة الحقيقة فيما حدث، وهو حقهم، ولست أعرف السبيل إلى تحقيق الطلب، فهو ضروري لمستقبل العمل، أخشى أنّ يتصور أحد أنّني بأي شيء أقوله أحاول إشراك غيري في المسؤولية، والله يعلم أنّني لا أفكر في أي شيء من ذلك، فأنا نازل عند حكمة الله في قضائه، لكن الحقيقة يجب أنّ تكون واضحة للناس".
انتهى الحوار واتجه البطل الهمام في نظر شعبه، ليلقي كلماته الأخيرة: "وأقول لكم إنّني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، ولقد اتخذت قرارًا أريدكم جميعا أنّ تساعدوني عليه، لقد قررت أنّ أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأنّ أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر..".. تلك الكلمات التي قوبلت بصمت رهيب، مصحوبا بمشاعر حزن دفينة، تحولت فيما بعد إلى صراخ وهتافات تقول: "ناصر.. ناصر.. كلنا عايزين ناصر".