السوريون فى مصر

أن تتجاوز إحباطاتك وانكساراتك، فقد تجاوزت منتصف الطريق لتحقق كامل نجاحك.. فبالتأكيد من حقك أن تعمل‏.. تجتهد‏.. تنجح‏، ولا تستسلم لحزنك أو هزيمتك إنسانياً أبداً ولكن حذار أن تتجاوز الخطوط الحمراء‏ بأن تثير «غيرة» غيرك بهذا النجاح.. فللعمل دوائر ..‏ وللاجتهاد حدود يجب ألا تتخطاها‏ لتقفز إلى ما يثير «قلق» الآخرين، أو بمعنى أصح أن «تغذى» روح الحقد عليك.. ‏!!‏

من حقك أن تنجز‏.. ‏ تنتشر‏.. ‏ تحلم‏، ‏ ولكن يجب أن تستوعب على أى مسافة تقف من إنجازات الآخرين‏.. ولأى مدى يهدد انتشارك «بيزنس» غيرك‏، خاصة إن كان «غيرك» هذا يتوهم بأنه صاحب فضل عليك لمجرد استضافتك دون أن «يعى» أن هذه الاستضافة واجب عليه وحق لك، باعتبارك «الشقيق» الذى لم تلده أمه.. ‏!!‏

السطور السابقة تأتى بمناسبة تلك «الموجة» الغاضبة من بعض المواطنين هنا -التى اجتاحت جميع وسائل التواصل الاجتماعى- تجاه وجود ونجاح الأشقاء السوريين الذين استقبلتهم مصر بعد ما جرى فى سوريا الشقيقة من دمار أو تخريب وذلك بعد أن «أثار» نجاحهم «غيرة» البعض منا، أو بمعنى أكثر صراحة «حقد» القلة بيننا، دون أى منطق إنسانى أو أخوى، فى حين وجب علينا جميعاً -وبخاصة تلك القلة الرافضة لوجود الأشقاء- أن نسجد لله حمداً وشكراً على أنه قد جنبنا كل ما يعانيه الأشقاء هناك بعد أن سخر لنا «قائد» خاطر بمستقبله بل وحياته ليدفع عن مصر كل الشرور وأن يتصدى لجميع المؤامرات التى تحاك ضدنا كل يوم..!.. فالمنطق الإنسانى يؤكد أن تقدر ما يعانى منه الشقيق..!

شائعات عدة تطارد الجالية السورية فى مصر، التى لا يتجاوز عددها 500 ألف شقيق بينهم 120 ألفاً مسجلون، بأنهم يمثلون خطراً داهماً على مصرنا العزيزة بعد أن فرضوا سيطرتهم -باجتهادهم «وحده» وتفانيهم فى العمل- على السوق المصرية وبخاصة فى «المطاعم» والصناعات الحرفية المختلفة، بينما غيرهم قد «سكن المقاهى» أو الكافيهات واستسلموا للشكوى فقط من نجاح غيرهم..!

ولأن نجاح الغير يثير دائماً حقد البعض بأقصى درجاته وبخاصة من جانب من استسلموا لـ«التواكل» والاستناد على ما كان لديهم فى السابق دون أن يبذلوا جهداً لتنميته أو على الأقل الحفاظ عليه، فراحوا يطلقون رصاصات الغدر والخيانة على الأشقاء وتوالت ردود الفعل الغاضبة من جانب بعض المواطنين وتنوعت اتهاماتهم ما بين العمل بـ«أموال» الجماعات الإرهابية و«غسلها» لصالح «الإخوان المخادعين» وتحويل مكاسبهم إلى تركيا دون أن يستفيد منها الاقتصاد الوطنى، وساقوا فى هذا المجال شائعة أن الأشقاء بدأوا خطتهم فى غزو سوق الذهب فى مصر بهدف السيطرة كلياً على الاقتصاد المصرى، دون أن يدركوا أن هذه «الشائعات» هى فصل جديد من محاولة الوقيعة بين الأشقاء، وأن مصر عصية على السيطرة عليها حتى من جانب مؤسسات دولية بل من دول اعتدنا تسميتها بـ«العظمى» وأن لديها أجهزة رقابية واعية قادرة على كشف أى خائن..!

هؤلاء «المتواكلون» ليس لديهم أى معرفة بالروابط التاريخية التى تربط مصر وسوريا ودون أن يدركوا أن بذرة الوحدة العربية قد جرى غرسها فى الوحدة المصرية السورية التى أعلنت فور توقيع ميثاق الجمهورية العربية المتحدة -وهو ما أصبح الاسم الرسمى للوحدة بين الشقيقتين: مصر وسوريا منذ فبراير 1958- من جانب الزعيم الراحل جمال عبدالناصر والرئيس السورى شكرى القوتلى، واختير الزعيم ناصر رئيساً لها، والقاهرة عاصمة لمقر الوحدة، وجرى توحيد برلمانى البلدين فى صورة مجلس الأمة المصرى وقتها، وألغيت الوزارات الإقليمية لتصبح وزارة موحدة فى القاهرة لصالح الوحدة، غير أن هناك دائماً تعبير «ولكن» فإن المؤامرات الدولية والأطماع الفردية والصراعات الشخصية لم تترك أى فرصة لاستمرار دولة الوحدة، فقد وقع انقلاب عسكرى فى دمشق فى سبتمبر 1961 لتنتهى الوحدة وتعود سوريا إلى اسمها الجمهورية العربية السورية، بينما احتفظت مصر باسم جمهورية مصر العربية، الذى لا تزال محتفظة به حتى الآن ولينتهى حلم الوحدة -ونتمنى أن يكون ذلك أمراً مؤقتاً- إلى إشعار آخر نتمنى أن يكون قريباً.

ولأن قائد مصر يدرك حقيقة دور مصر فى رعاية الأشقاء وتاريخها فى مساعدتهم وبخاصة فى الظروف العصيبة التى تمر ببلادهم، فقد أصدر الرئيس السيسى قراراً بمعاملة اللاجئين السوريين مثل المصريين فى التعليم والصحة، حيث انتظم نحو 40 ألف طالب سورى بالمدارس المصرية خلال العام الدراسى 2017 - 2018، علاوة على تقديم الرعاية الصحية الأساسية لنحو 20 ألف طفل سورى من بين ما يقدر بنحو 500 ألف لاجئ، منهم نحو 120 ألفاً مسجلين بالمفوضية السامية لشئون اللاجئين.

ما جرى للسوريين فى مصر هو ذات ما جرى بالضبط لأشقاء عرب آخرين، إذ احتضنت مصر نحو 5 ملايين شقيق عربى بينهم سودانيون وكويتيون وعراقيون وفلسطينيون وغيرهم من الأشقاء العرب، باعتبار أن مصر هى الشقيقة الكبرى التى تقف لمساندة غيرها من الأشقاء وتفتح ذراعيها لتستقبلهم جميعاً دون أى تفرقة أو تمايز بينهم وبين أشقائهم المصريين.

وبنظرة إلى بداية السطور.. فإننا سنكتشف أنه بينما اكتفى قطاع عريض من شبابنا بالشكوى مما يعانيه بسبب البطالة، وهو «الحل السهل» وهجر «الحل الأسهل» الذى يقضى بحتمية الاعتراف بأنه هو نفسه أحد أسباب هذه المشكلة.. وفى الوقت الذى يركن فيه البعض من «شبابنا» إلى الراحة والتواكل انتظاراً لتقدم له الدولة فرصة عمل وفقاً لما اعتدناه خلال فترة الستينات والسبعينات -على الرغم من أنها ليست فى حاجة إليه إذ إنه سينضم إلى طابور «المعينين العاطلين»- فإن المقبل إلى القاهرة من الإخوة السوريين قد تغلبوا على هذه الظاهرة «الشكوى والتواكل» ولم يستسلموا لظروف بلدهم القاسية للغاية وبدأوا فى اقتحام «سوق العمل» بكل حيوية.. حتى الفتيات والأطفال ستجدهم يعرضون عليك «منتجات منزلية» من صنع السيدات تكون فى العادة «حلوى».. واللافت للنظر أن أياً من هؤلاء المجدين لا يقبل أن تقدم له أى مساعدة مالية دون أن تأخذ مقابل ما سددته «نحن نبيع ولا نتسول يا عمو».. هكذا يكون الرد!!.. وإذا صادفتك مشكلة منزلية واحتجت سباكاً أو كهربائياً فربما تجد أحدهم كان يعمل فى سوريا طبيباً للأطفال أو محامياً شهيراً ولم يستسلم إلى ظروف بلده القاسية..!

وفى النهاية لك يا أحلى اسم فى الوجود السلامة لتبقى دائماً سنداً للأشقاء فى ظروفهم العصيبة.