مصر وروسيا الاتحادية.. استرداد المكانة

هناك العديد من القواسم المشتركة بين الشعبين المصرى والروسى، فكلاهما ينحدر من أصول عريقة، وكلاهما موغل فى الحضارة عبر التاريخ الممتد والتراكم الثقافى، ومن هنا جاء الاستقبال الحافل من جانب أركان الدولة الروسية بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين للمشير عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، والسيد نبيل فهمى وزير الخارجية، وتمت المباحثات بين الجانبين فى إطار من الندية والاحترام المتبادل، والرغبة فى المشاركة فى تطوير العلاقات فى كافة المجالات، ولم تقتصر فقط على المجال العسكرى والأمنى، فالمسألة ليست مجرد صفقة سلاح، وإنما إعادة بناء المنطقة على النحو الذى يحقق المصالح المشتركة للطرفين، ومن المتوقع أن تلقى أصداء التقارب بين الدولتين العريقتين بظلالها على منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع، فالطرفان يتفقان فى رفض التدخل الخارجى فى الشئون الداخلية للدول ذات السيادة، وكلاهما فقد الكثير من مكانته اللائقة على المستويين الإقليمى والدولى، حيث فقدت مصر الكثير من مكانتها اللائقة على المستوى الإقليمى، وفقدت روسيا موقعها المتميز فى منطقة الشرق الأوسط والمياه الدافئة بعد تحلل الاتحاد السوفيتى عام 1989، وبالتالى توافرت الإرادة السياسية القومية للجانبين، خاصة بعد ثورة 30 يونيو التى كان من بين أهدافها استقلال القرار الوطنى والإرادة السياسية، والتى استقبلتها الإدارة الروسية بالدعم والتأييد، وتجلى ذلك بوضوح فى زيارة وزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو بصحبة وزير الخارجية سيرجى لافروف إلى القاهرة فى 14 نوفمبر الماضى ضمن صيغة (2+2)، وجاء الرد على الزيارة من جانب المشير عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع المصرى بصحبة السيد نبيل فهمى وزير الخارجية لتستقبل روسيا الاتحادية أول وزير دفاع مصرى منذ 40 عاماً بالتمام والكمال، وجاءت الزيارة فى هذا التوقيت الحاسم قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية فى مصر والتى يخوضها المشير السيسى استجابة للإرادة الشعبية لتبعث برسالة قطعية إلى أركان المعمورة بأن القاهرة ماضية فى استعادة مكانتها المستقلة عبر تنويع علاقاتها وشراكاتها وتحالفاتها دون الاعتماد على طرف واحد أياً كان، وبالتالى لم تعد 99% من أوراق اللعبة السياسية فى يد الأمريكيين، وإنما أصبحت 100% فى يد المصريين، فقد انتهى عهد التبعية، وباتت مصر تسعى لإقامة علاقات متوازنة مع جميع الدول تحكمها المصالح المشتركة، دون قبول أية ضغوط أو إملاءات، وسوف تتعامل مصر باحترام مع من يحترم إرادتها الشعبية، وفى هذا الإطار، يتمسك الشعب المصرى بأواصر الصداقة والاحترام مع الشعب الروسى العريق، وقد تجلى ذلك بوضوح برفع صور الرئيس فلاديمير بوتين يوم 30 يونيو وما بعده. وهناك العديد من القواسم المشتركة بين الزعيمين المصرى والروسى، فكلاهما ينتمى إلى المؤسسة العسكرية، وكلاهما ترأس جهاز المخابرات فى بلاده، والاحتكام إلى المعلومات الدقيقة وإتاحة البدائل التى يمكن الاختيار من بينها بما يحقق الصالح الوطنى، وكلاهما يحظى بشعبية جارفة وتولى قيادة البلاد فى ظروف عصيبة، فقد اعتلى بوتين حكم روسيا الاتحادية عام 1999 خلفاً للرئيس الأسبق بوريس يلتسين، وكانت روسيا فى وضع اقتصادى شديد الصعوبة، ولكنه استطاع إنقاذها وتحويلها إلى عملاق اقتصادى خلال سنوات قليلة، ولهذا يدرك الرئيس بوتين بحنكته السياسية أن استقرار الوضع فى الشرق الأوسط يعتمد إلى حد كبير على استقرار مصر، وبالتالى أكد الرئيس الروسى استعداد بلاده الكامل لإطلاق كل آليات التعاون الثنائى مع مصر فى مختلف المجالات بمجرد الانتهاء من استكمال خارطة الطريق واستكمال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ولن يقتصر التعاون على الجانب العسكرى فقط من خلال تزويد مصر بالأسلحة الحديثة، والمناورات العسكرية المشتركة، وفتح الأكاديميات العسكرية أمام الضباط المصريين، وتكثيف التعاون بين القوات الجوية والبحرية للدولتين، وإنما يتعدى ذلك إلى الجوانب الاقتصادية والثقافية والسياحية، والتغلب على مرحلة الركود التى أثرت على حجم التبادل التجارى بين البلدين خلال حكم الإخوان، وارتفاع حجم التبادل التجارى إلى خمسة ملايين عام 2016. ونحن ننتظر البدء قريباً فى الاستعانة بالخبرة الروسية فى إنشاء المفاعلات النووية المصرية، وإعادة تفعيل المنطقة الصناعية الروسية بمدينة برج العرب، وتشكيل مجلس الأعمال المصرى الروسى للاستفادة من السوق الروسية فى مجال السلع الزراعية، والتصنيع، ودفع مؤشر الصادرات المصرية إلى النمو بمعدلات كبيرة خلال السنوات القليلة المقبلة.