مشكلات مصر العلمية

تواجه مصر حاليا عدة مشكلات وتحديات فى جميع المجالات. هناك المشكلات والتحديات السياسية التى تحظى باهتمام الساسة والنخبة المثقفة إضافة إلى رجل الشارع وتشغل الجميع لتأثيراتها على جميع أوجه الحياة فى مصر. كذلك هناك المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والبنية التحتية والمرور والتعليم وغيرها التى يقاسي ويعانى منها الشعب المصري بجميع فئاته وطوائفه. على الجانب الآخر هناك الكثير من المشكلات العلمية داخل مصر وخارجها والتى لا يلتفت إليها أحد إلا فيما ندر حيث قد يأتى ذكرها بشكل عفوى سطحي غير مقصود فى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ولكنها تعرض كثيرا فى فى وسائل الإعلام المقروءة وخاصة الصحف. هناك مشكلة المياه ونهر النيل والتى تطفو على السطح وسرعان ما تتوارى مرة ثانية رغم أن مصر كما يعلم الجميع هى هبة النيل ولا يمكن أن يحيا الشعب المصري بدون مياه نهر النيل العذبة. وارتباطا بنهر النيل يأتى ذكر السد العالى وآثاره السلبية على وادى النيل والدلتا وهى كثيرة وخافية على الجميع وتتراكم وتتفاقم مع مرور السنين. وعلى سبيل المثال لا الحصر لا ينتبه أحد إلى عمليات نحر الشواطئ على ساحل البحر المتوسط فى مصر . هناك أيضا مشكلة ضيق وادى النيل بسكانه وتجاهل الحكومات السابقة - منذ ثورة يوليو 1952 وحتى الآن - هذه المشكلة الاستراتيجية والتى أدت إلى ما نحن فيه حاليا من مشكلات عويصة تتجلى فى أبهى صورها فى القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة) التى ضاقت بسكانها وروادها (18 مليون على الأقل) ولا حل لأزماتها سوى تخفيض عدد السكان حيث أن مساحة مناطق القاهرة الكبرى لا تتحمل عدد السكان بها مما رفع الكثافة السكانية إلى مستوى لا يجدى معه أية حلول لأزماتها (السكن والمرافق والطرق والمرور..الخ). يوجد أيضا مشكلة التلوث البيئي بمعظم المدن المصرية وهو تلوث فى جميع عناصر البيئة (التربة والمياه والهواء) مما سبب انحرافا للنظام الايكولوجى بها قد يجعل الحياه غير صالحة للكائنات الحية جميعها فى مصر. يبدو هذا أيضا جليا فى تلوث التربة الزراعية والمجارى المائية (الترع والمصارف) فى مدن وقرى وكفور منطقة دلتا النيل. ولا شك أن مشكلة الطاقة قد أطلت برأسها على مصر خلال العاميين المنصرمين كنتيجة للزيادة السكانية وما يصاحبها من زيادة استهلاك مصادر الطاقة بصورها المختلفة (زيت البترول والغاز الطبيعي والكهرباء) حيث لا يفي انتاج حقول البترول المصرية حاليا بمتطلبات الدولة من الوقود كما يتأكد ذلك من لجوء الحكومة المصرية لإستيراد الغاز الطبيعي من الدول المجاورة وكذلك شراءها لحصة الشريك الأجنبي من زيت البترول المنتج من مناطق امتياز وحقول الشركات الأجنبية بأقاليم البترول المصرية المعروفة. هناك أيضا المشكلات العلمية التى تقع خارج حدود مصر وستؤثر على أرض وسكان مصر تاثيرات سلبية خطيرة لا يمكن تصور مداها لخطورتها التى قد تصل إلى حد الكوارث الطبيعية. يأتي فى مقدمة هذه المشكلات السدود المائية التى تنوى بجدية دول منابع نهر النيل فى إنشاءها وأبرزها على الساحة حاليا سد النهضة الاثيوبي والذى قد يسبب مشكلات عديدة على حصة مصر المائية ومخزون بحيرة السد العالى وكمية الكهرباء المتولدة من السد. كذلك هناك مشروع قناة خليج العقبة-البحر الميت التى وقع البروتوكل الأولي لمرحلتها الأولى المملكة الأردنية وإسرائيل وسيكون لها تأثيرات سلبية كثيرة وخطيرة على المناخ والبيئة والاتزان الزلزالي لجميع دول المنطقة. نأتي إلى مشكلة إرتفاع درجة حرارة سطح الأرض فى العالم كله ومصر أيضا وهى مشكلة عالمية للكرة الأرضية Global change . إن إرتفاع درجة الحرارة سيكون له تأثيرات متنوعة تبدأ بذوبان ثلوج القطب الشمالى وأيضا جفاف منطقة شمال أفريقيا وخاصة منطقة حزام الجفاف الذى تشكل مصر ذراعه الشرقي بالقارة والذي سيؤدي إلى زيادة مستوى الجفاف فى وادى النيل وبالتالى مياه نهر النيل وما يترتب عليه من تفاقم مشكلة المموارد المائية لمصر ونقص الرقعة الزراعية الخضراء فى وادى النيل. إن هذه المشكلات العلمية إذا إقترنت بمشكلة الفقر والمشكلات التعليمية الخطيرة فى منظومة التعليم بمصر وايضا بمشكلات الثقافة العامة والسلوكيات الخاطئة وانخفاض ساعات العمل الفعلية لدى معظم العاملين فى الحكومة والقطاع العام فى مصر وزيادة نسبة البطالة وسلبية الشباب ورغبته فى الهجرة للخارج وكذلك الانحدار الملموس فى أخلاق نسبة كبيرة من المواطنين وانتشار أعمال البلطجة إلى الحد الذى اصبحت فيه مهنة وحرفة يتكسب منها الكثيرون من العاطلين، أقول إذا اقترنت جميع هذه المشكلات فإن ذلك يعنى إقتراب مصر من عصر الإنهيار الذي تعرضت له الكثير من الامبراطوريات والدول العظمى فى تاريخ البشرية. لذلك كله وبناء على ما سبق فإنه لزاما وليس إختياريا على الحكومة والمسؤلين الحاليين فى مصر - وكذلك الحكومات القادمة مستقبلا - النظر بجدية فى جميع هذه المشكلات والتعامل معها باستراتيجيات وخطط حقيقية وليست خطط ورقية لا يمكن تطبيقها. كذلك لابد أن تعتمد هذه الاسترا تيجيات والخطط على الأسس العلمية فى جميع المجالات وأن يشرف على تنفيذها المتخصصون الحقيقيون دون وساطة وليس أدعياء العلم السطحي الطامعون فى الشهرة والمال القريبون من مواقع السلطة فى مصر. لابد أن تتولى المراكز البحثية العلمية وكذلك الخبراء فى جميع المجالات والمؤسسات المصرية التصدى لهذه المشكلات العلمية الخطيرة إذا ما أردنا حلولا فعالة تضمن تامين مقومات الحياة ومقومات الدولة لشعب مصر في المستقبل. وأرجو أن يستشعر القارئ خطورة هذه المشكلات من الآن فبعضها مؤثر حاليا على المواطن المصري - يستوى فى هذا الأمر الفقراء والأغنياء – ويشعر به الناس وبعضها ذو تأثير بطيئ غير ملموس ولكنه تراكمي مع مرور السنين وبعضها ذو تأثير قد ياتي بغتة وفجأة مصحوبا بكوارث تهدد الحياة فى مصر. أدعو الله أن يهدى المصريين إلى التضامن الوطني لمجابهة جميع مشكلات مصر حتى نضمن لأم الدنيا واقدم البلاد فى التاريخ استمرارها على الخريطة العالمية. حفظ الله مصر أرضا وشعبا. *أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم- جامعة حلوان