حسن أبوطالب حسن أبوطالب «بوتين» والبديل الروسى لليبرالية المنهارة
10:06 م | الثلاثاء 02 يوليو 2019

من المعتاد أن يدلى القادة والرؤساء بتصريحات حول القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية، وأن يقوم المحللون بتأمل تلك التصريحات واكتشاف ما فيها من رسائل وتلميحات لعلها تفسر مواقف معينة أو تنبئ بتطورات جديدة. أما أن يدلى الرؤساء بتصريحات حول قضايا فكرية أو فلسفية فليس بالأمر الشائع. الرئيس الروسى فلاديمير بوتين كسر القاعدة، وأفاض فى لقاء مع صحيفة «الفاينانشيال تايمز» الشهيرة بتحليلاتها الرصينة للقضايا الاقتصادية محلياً ودولياً فى تحليل وتفسير ما يراه انهيار الليبرالية كمنظومة فكرية سياسية سادت العالم فى العقود الثلاثة الماضية، وتم توظيفها لتحقيق اختراقات غربية وأمريكية ثقافياً وفكرياً وسياسياً فى الكثير من المجتمعات الأخرى، لكنها الآن تواجه العديد من الظواهر النابعة فى رحم الغرب ذاته وتعبر عن رفض الشعوب الأوروبية لتلك المنظومة التى عفى عليها الزمن، حسب تعبيرات «بوتين» نفسه. وفى لقاء صحفى فى قمة العشرين بأوساكا ردد الرئيس «بوتين» بعض أفكاره التى طرحها فى «الفاينانشيال تايمز» قبل أيام معدودة من عقد القمة، كما انتقد من انتقدوا تلك الأفكار.

لم تكن تصريحات «بوتين» ذات طابع دبلوماسى، بل جاءت صريحة وجريئة إلى حد كبير، فالليبرالية التى تسود العالم الغربى كأيديولوجية وتحدد طريقة حياته ونظرته للآخر، باتت بالية وتتصادم مع مصالح الأغلبية الساحقة من الشعوب، ولم يعد لها فائدة للعالم المعاصر، وكل ما تسمح به هو أن تقبل المهاجرين وبزعم حمايتهم، ولكن فى الحقيقة فالليبرالية تسمح بقتلهم واغتصابهم ونهبهم دون أى عقاب، وهى أيضاً كمنظومة فكرية سياسية، حسب «بوتين»، تعطى الحق لبعض فئات المجتمع الغربى فى أن يرغموا آخرين بالقوة على قبول ما لا يقبلونه، وهو ما يحدث فى فرض ثقافة جنسية معينة على المجتمع وعلى الأطفال تحديداً، فى حين يرفض الآباء المحافظون تلك الثقافة. ونظراً لعدم رضاء الناس فى الغرب على تلك القيم الجديدة من المنظور الليبرالى فإنهم ينزلون فى الشوارع غير راضين، وينتخبون أشخاصاً يعدونهم بفكر مختلف. وهذا الاستياء هو المسئول عن التغيرات المتلاحقة فى الغرب، وليس التدخلات الروسية المزعومة.

مجمل الأفكار المشار إليها ذات علاقة مباشرة بأزمات سياسية ذات طابع خاص جداً، شدت العالم لفترات طويلة، وتثير جدلاً فكرياً ودينياً وسياسياً فى الغرب والشرق على السواء. كما تفصح عن رؤية «بوتين» الخاصة بالتحولات المحتملة فى عدد من الدول الأوروبية كصعود اليمين والتوجهات الشعبوية. وحسب «بوتين» ليس هناك تدخل روسى فى الانتخابات الأمريكية السابقة وإنما تغيرات فى المجتمع الأمريكى ذاته نتيجة رفض قطاعات من الشعب للمنظومة الليبرالية، وبالتالى فإن فوز «ترامب» يجسد فشل الليبرالية. وينطبق الأمر على صعود اليمين فى العديد من الدول الأوروبية نتيجة خطأ بعض الحكومات فى تبنى أفكار الليبرالية المفرطة، ما ينتج عنه حالة رفض مجتمعى، والمثل الذى قدمه الرئيس «بوتين» واعتبره خطأ جسيماً، حدث فى ألمانيا حيث فتحت المستشارة أنجيلا ميركل أبواب بلادها للمهاجرين استناداً إلى مبادئ الحرية والانفتاح غير المنضبط، وهو ما لم يقبله الشعب الألمانى وساعد على صعود أحزاب اليمين على حساب حزب «ميركل» ذاتها. ومجتمعياً يعيد «بوتين» رفضه للأفكار الليبرالية لأنها تسمح بالتدخل فى حياة الناس وتفرض عليهم أفكاراً لا يقبلونها ويسأمونها، مثل فرض الثقافة الجنسية والمثلية الجنسية على الأطفال وهم فى سن لا تسمح لهم بتقييم ما يُقدم لهم، ما ينتج عنه تشوه فى تربيتهم وتنشئتهم، ويؤثر على تماسك المجتمع.

بعض الغربيين الذين انتقدوا أفكار الرئيس «بوتين» اتفقوا معه فى أن الليبرالية تعيش بالفعل أزمة وجودية بالفعل، وثمة حاجة إلى مراجعة نقدية لتلك المنظومة القيمية ولكن من منظور تعزيز القيم الكبرى فيها مثل الحرية والمساواة وليس بالطريقة التى أفاض فيها الرئيس «بوتين». والبعض الآخر وجد فرصة فى توجيه الاتهامات للحياة السياسية الروسية فى عهد الرئيس «بوتين»، باعتبارها تجسيداً لنظام سلطوى وليس نظاماً ديمقراطياً يراعى الاختلافات السياسية والفكرية، وأن الغرب ليس بحاجة إلى مثل هذا النموذج. وأياً كان الأمر فمن الواضح أن الجدل هنا أكبر من مجرد آراء عابرة.

حقيقة الأمر أن تلك التصريحات ليست ذات طابع فكرى أو نظرى وحسب، بل تدخل فى صميم الصراع الروسى الغربى، وفيها قدّم الرئيس «بوتين» تفسيره للتطورات الجارية فى عدد من البلدان الغربية كمظاهرات السترات الصفراء فى فرنسا والتوجهات الشعبوية واليمينية الصاعدة فى كثير من دول الاتحاد الأوروبى، إلى جانب تفسير بعض الظواهر هناك بُعد مُهم يتعلق بالمنظومة الفكرية التى يقدمها الرئيس «بوتين» كبديل لليبرالية التى يراها فى حالة انهيار، وهى منظومة فكرية ذات طابع محافظ تدعم الاستقرار والقيم الأسرية، والقيم الوطنية القائمة على حماية مؤسسات الدولة ورفض تدخلات الغير تحت مسميات حقوق الإنسان التى تتعارض بعض مبادئها، وليس كلها، مع القيم المحافظة ذات الأسس الدينية والأخلاقية. وعلى هذا النحو يخطو الرئيس «بوتين» خطوة جديدة فى اتجاه تقديم روسيا كقوة عالمية تجمع بين بعض المقومات الاقتصادية والعسكرية والمقومات الفكرية المقبولة لدى مجتمعات كثيرة فى العالم المعاصر. وهو بذلك يسد فراغاً كبيراً عانت منه روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتى، والذى كان يقدم النموذج الاشتراكى كبديل فكرى وسياسى واقتصادى ومجتمعى لكل المنظومة الليبرالية والرأسمالية اللتين اندمجتا معاً فى الغرب، وكانتا بمثابة رأس الحربة الفكرية والعملية فى هزيمة الاتحاد السوفيتى سابقاً.

يدرك الرئيس «بوتين» أن قيادة العالم ليست نتاج التقدم التكنولوجى والاقتصادى والتفوق العسكرى وحسب، وفى هذه المجالات لروسيا نصيب، ينقص أو يزيد، ولكنه أقل كثيراً من دول أخرى، كالولايات المتحدة أو الصين أو ألمانيا أو بريطانيا وغيرها، وإنما أيضاً مرهون بقيم كبرى يتم الدفاع عنها والترويج لها باعتبارها تحقق السلام العالمى المستدام، وفرصة الوجود لكل مجتمع كما يريد ووفق هويته الوطنية دون أى تدخل خارجى أو اعتراض أو إدانة من أحد، مثلما يحدث من قبَل منظمات تدّعى لنفسها حق الوصاية على حركة المجتمعات أياً كانت دون استثناء، وتدّعى حق توجيه الإدانة وفقاً لرؤيتها الذاتية والتى غالباً لا تعبر عن توافق دولى شامل.

على هذا النحو يبدو أن الرئيس «بوتين» يطرح بديله لليبرالية المنهارة حسب رؤيته فى صورة العودة إلى القيم المحافظة، والحد من التدخلات الخارجية فى الدول الوطنية، وإعلاء قيمة الأسرة الطبيعية والحفاظ على تنشئة الأطفال فى ظل تلك القيم المحافظة.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل