رحلة الألف عام.. من حصن الصقلى ورجاله إلى أم المدن

كتب: خالد عبدالرسول

رحلة الألف عام.. من حصن الصقلى ورجاله إلى أم المدن

رحلة الألف عام.. من حصن الصقلى ورجاله إلى أم المدن

مدينة القاهرة، التى احتفلت قبل أسابيع بمرور 1050 سنة على تأسيسها، لها حكاية طويلة ومثيرة ربما لا يعرفها كثيرون من قاطنيها الآن، منذ أن كانت مجرد حصن على مساحة صغيرة نسبياً للجنود الفاطميين، الذين استولوا على مصر، مروراً بامتدادها وتوسعها لتشمل معها بقية العواصم الإسلامية السابقة عليها، وما تلا ذلك من امتدادات شاسعة، حتى أصبحت الآن أكبر مدينة عربية بلا منازع.

بعد سلسلة من العواصم غير المحاطة بالأسوار، التى شهدتها مصر الإسلامية فى السابق، وشملت الفسطاط والعسكر والقطائع، جاء إنشاء «القاهرة» عام 359 هـ / 969 ميلادية، بمثابة نمط جديد من العواصم، يتمثل فى «العاصمة الحصن»، التى يحيطها بالكامل سور يعزلها عن خارجها، وذلك تأثراً بحاجة الفاطميين لمكان يتحصنون فيه من الهجمات المحتملة ضدهم، سواء من المصريين أو من أعدائهم بالخارج ومن بينهم «القرامطة».

أسسها "جوهر".. و"الأيوبى" ضم إليها العواصم الإسلامية

أسس جوهر الصقلى، قائد جيوش الخليفة الفاطمى المعز لدين الله، القاهرة، بعد استيلائه على مصر، وبنى حولها، حسبما توضح الدكتورة سعاد ماهر، أستاذ الآثار الإسلامية، فى كتابها «القاهرة القديمة وأحياؤها»، سوراً من الطوب اللبن على شكل مربع، طول كل ضلع من أضلاعه 1200 ياردة، وكانت مساحة الأرض التى حدها السور تبلغ 340 فداناً، وفى وسط هذه المساحة، بنى جوهر قصراً كبيراً بلغت مساحته 70 فداناً، وجعل 35 فداناً للبستان الكافورى، ومثل هذه المساحة للميادين، والباقى وقدره مائتا فدان وزعت على الفرق العسكرية فى نحو عشرين خطة، وأنشأ مسجداً بالقرب من قصر الخليفة.

وكانت حدود سور القاهرة المعزية: شرقاً جبل المقطم، وغرباً الخليج، الذى كان يخرج من النيل إلى الجنوب قليلاً من فم الخليج وينتهى عند خليج السويس، ومكانه شارع الخليج (بورسعيد الآن)، ويحدها جنوباً خط يمتد من ميدان باب الخلق ويتجه شرقاً ماراً بباب زويلة وينتهى عند جبل المقطم، أما حدودها الشمالية فتبدأ عند الجهة الغربية من باب الشعرية متجهة شرقاً إلى باب الفتوح فباب النصر وتنتهى عند جبل المقطم.

ولم يكن جوهر الصقلى يقصد من إنشائه القاهرة فى بادئ الأمر أن تكون عاصمة للخلافة، بل لتكون سكناً للخليفة وحرمه وجنده وخواصه، فنشأت القاهرة مدينة متواضعة للدولة الفاطمية الناشئة، واستمرت حيناً بعد قيامها مدينة ملكية عسكرية، تشتمل على قصور الخلفاء ومساكن الأمراء، ودواوين الحكومة وخزائن المال والسلاح، ثم أصبحت بعد إنشائها بأربع سنوات، أى فى سنة 363 هـ، عاصمة الخلافة الفاطمية حين انتقل المعز وأسرته من المغرب واتخذ مصر موطناً له.

وكان على سكان مصر، حسبما أوردت الدكتورة سعاد ماهر فى كتابها، أن يستأذنوا ويسمح لهم أولاً قبل أن يدخلوا هذه المدينة الملكية، وكانت أسوار القاهرة العالية وأبوابها المحروسة تحجب الخليفة عن شعبه، ولكن سرعان ما اتسعت المدينة الناشئة ونمت نمواً ملحوظاً وتبوأت مكانتها المرموقة فى ظل الخلفاء الفاطميين التاليين، واتصلت مبانيها بمبانى مدينة الفسطاط وصارتا تؤلفان معاً أكبر المدن الإسلامية فى العصور الوسطى.

ومن أهم معالم الفاطميين الباقية حتى اليوم الجامع الأزهر، الذى يعد أول عمل فنى معمارى أقامه الفاطميون فى مصر، ولا يزال قائماً حتى اليوم، ويقع الأزهر فى الجنوب الشرقى من قاهرة المعز، على مقربة من القصر الكبير الذى كان موجوداً حينذاك بين حى الديلم وحى الترك فى الجنوب. وقد زاد كثير من الخلفاء الفاطميين فى بناء هذا المسجد وأعيد تجديد أجزاء كثيرة منه خلال القرون الماضية، كما أضيف إليه زيادات عدة، وقد جعل كل ذلك معرفة التخطيط الأصلى للجامع من الأمور الصعبة التى يتعذر الاهتداء والاطمئنان إليها.

وإذا كان السور الذى بناه جوهر الصقلى من الطوب اللبن حول القاهرة وقت إنشائها، قد زالت آثاره تماماً الآن، فإن السور الذى بناه لاحقاً صلاح الدين الأيوبى وأحاط به عواصم مصر الإسلامية السابقة (الفسطاط والعسكر والقطائع) مع القاهرة والقلعة، لا تزال أجزاء كثيرة منه باقية حتى الآن، خاصة من الجهتين الشرقية والجنوبية.

وقد شهدت القاهرة على مدار تاريخها امتدادات كبيرة حتى وصلت إلى مساحتها الشاسعة الراهنة، ومن بين هذه الامتدادات منها ما يشير إليه الدكتور حسام إسماعيل، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة عين شمس، رئيس جمعية التراث والفنون، ومؤلف أحد الكتب الهامة عن القاهرة بعنوان «القاهرة فى العصر العثمانى»، عندما امتدت غرب الخليج المصرى (شارع بورسعيد الآن)، فى مناطق عابدين وباب اللوق، ثم فى الشمال باتجاه الريدانية (العباسية حالياً) والحسينية، وناحية مصر القديمة والقرافة.

وأعاد تخطيطها "إسماعيل".. ورئيس جمعية التراث: حلوان من أقدم امتدادات المدينة

ولاحقاً أعاد الخديو إسماعيل، حسبما يضيف أستاذ الآثار، تخطيط المنطقة غرب الخليج (شارع بورسعيد)، من العتبة لميدان رمسيس حتى مصر القديمة، ومنطقة باب اللوق والسيدة زينب، وكان لبقية حكام الأسرة العلوية بصماتهم أيضاً، حيث بنى الخديو توفيق منطقة التوفيقية، فيما عمر عباس حلمى منطقة شارع عماد الدين.

وهكذا «كانت القاهرة مدينة حية دائماً وبها تجديدات وإضافات، وفى أيام عباس حلمى الأول أيضاً، نشأ حى العباسية فى الامتداد الصحراوى للمدينة، وفى عهد عباس حلمى الثانى بداية القرن العشرين، بدأ تأسيس الشركات المعمارية، فتأسست شركتا مصر الجديدة والمعادى، باعتبار هاتين المنطقتين امتداداً للقاهرة».

أما مدينة نصر، حسبما يضيف إسماعيل، فكان من المفترض أن يتم إنشاؤها أيام الحرب العالمية الثانية، لكنها لم تُنفذ فعلياً إلا بعد ثورة 52 فى أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، بالتزامن مع إنشاء طريق صلاح سالم سنة 59، لرغبة الرئيس عبدالناصر فى إيجاد طريق من منزله للأزهر مباشرة من خارج المدينة آنذاك.

ومن بين الامتدادات القديمة المهمة للقاهرة تأتى ضاحية حلوان من الناحية الجنوبية، التى بدأ استخدامها، كما يضيف أستاذ الآثار الإسلامية، منذ أيام الأمويين، وبدأ تعميرها أيام عباس حلمى الأول، وأكمل تعميرها الخديو إسماعيل، حيث بنيت القصور، ومن بينها القصر، الذى توفى فيه الخديو توفيق، إلى أن أصبحت حلوان جزءاً لا يتجزأ من القاهرة بعد امتد العمران إليها. ولم يتوقف الأمر عند حدود القاهرة السابقة، وإنما ظلت تكتسب امتدادات وضواحى ومدناً جديدة ملحقة بها، لا سيما فى جانبها الشرقى، حتى وإن كانت مستقلة إدارياً عنها فى بعض الحالات، ومن بينها «القاهرة الجديدة» و«هليوبوليس الجديدة» و«الشروق»، وغيرها. هكذا ظلت القاهرة المحروسة تمتد وتتطور حتى أصبحت، كما يشير الموقع الرسمى لمحافظة القاهرة: «أكبر مدينة عربية والأكثر عدداً فى السكان فى أفريقيا والشرق الأوسط أيضاً، حيث تمتد على نهر النيل بطول 41.5 كم، وتبلغ مساحتها 3085.10 كم2.


مواضيع متعلقة