في ذكرى الهجرة.. الوطن تعرض بنود وثيقة المدينة وكيف استفاد منها الأزهر

كتب: سعيد حجازى وعبدالوهاب عيسى

في ذكرى الهجرة.. الوطن تعرض بنود وثيقة المدينة وكيف استفاد منها الأزهر

في ذكرى الهجرة.. الوطن تعرض بنود وثيقة المدينة وكيف استفاد منها الأزهر

كانت الهجرة النبوية خطاً فاصلاً فى تاريخ الإسلام والنبوة الخاتمة، فقد هاجر النبى والصحابة الكرام، بعد اضطهاد أهل مكة لهم، والتنكيل بهم، الذى دام لسنين، وبعد صعوبات وعوائق لا يتحملها بشر، بدأ النبى الكريم فى المدينة حياة جديدة، شديدة الاختلاف عما عهده العرب من أسلوب حياة.

فقد سعى صلى الله عليه وسلم، لتثبيت السلم الأهلى والمجتمعى، وكان ذلك هدفه الأول والأهم، فقام بالإيخاء بين أبناء الطائفة الواحدة، وهم المسلمون، ثم بينهم وبين الطوائف الأخرى، وكانت «وثيقة المدينة» حلاً عبقرياً لجمع كلمة كل قاطنى المدينة المنورة، من مسلمين ومسيحيين ويهود، فقد شملت بنوداً لم يسبق أن رآها العرب، الذين كانت حياتهم تقوم على فوضوية كاملة، حيث السلب والنهب والتهجم على بعضهم البعض، داخل المدن وخارجها. فجاءت بنود وثيقة المدينة لتؤسس لحياة جديدة ولمستوى جديد من التشريع، حيث سمحت حالة الوفاق والائتلاف التى أسستها الوثيقة، بنزول أغلب أحكام المعاملات فى الإسلام، وتشريعات التعامل مع غير المسلمين التى قامت على المساواة والأخوة الإنسانية. وفى عصرنا الحالى، أطلق الأزهر إعلانين عالميين للتعايش والمواطنة الكاملة فى ضوء بنود الوثيقة، ليمتد خيرها إلى عصرنا الحالى. «الوطن» تعرض لبنود الوثيقة، وكيف يراها رؤوس المؤسسات الدينية، وتبحث عن كيفية العيش فى ضوئها الآن والاستفادة منها، وتعرض لإعلانى الأزهر وكيف استفادا من بنود الوثيقة.

أقدم نصوص للتعايش والديمقراطية

سمح الله عز وجل للرسول الكريم محمد ومن معه، بالهجرة من مكة إلى المدينة، بعد اشتداد الإيذاء على المسلمين، وما إن وصل النبى إلى المدينة، حتى أرسى قواعد للتعايش بين المسلمين وغيرهم، فقد وضع دستوراً للتعايش قائماً على أسس الديمقراطية والمواطنة، سمى بـ«وثيقة المدينة»، وجاء هذا الدستور ليشمل الجميع مع اختلاف دينهم وثقافتهم أو عرقهم، فكل طائفة أو أمة تعيش فى وطن واحد وهو المدينة.

وجاء نص الوثيقة، بحسب موقع الأزهر: «هذا كتاب من محمد النبى -رسول الله- بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج ومن قعد أمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله».

"دار الإفتاء": مبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص

وشرحت دار الإفتاء، فى تقرير لها، بنود دستور المدينة، حيث أكدت أن الوثيقة النبوية اشتملت على سبعة بنود رئيسية، شملت اعتبار الدفاع عن الدولة وحدودها ضد الأعداء مسئولية الجميع؛ حيث تقول عن أطراف الوثيقة «عليهم النصر والعون والنصح والتناصح والبر من دون الإثم»، كذلك إقرار مبدأ التكافل والتعاون بين الجيران والعصبات؛ بحيث لا يبقى فى المدينة محتاج أو ذو ضائقة أو كرب إلا كان له من يقوم بشأنه».

كما أقرت الوثيقة مبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وتمثل ذلك فى توافق الحقوق والواجبات وتناسقها، وضمان المساواة التامة لمواطنى المدينة فى المشاركة الفاعلة فى مجالات الحياة المختلفة، تحقيقاً لمبدأ «المواطنة الكاملة» لكل ساكنى المدينة، كذلك ضمان حرية الاعتقاد والتعبد؛ إذ تضمنت حقوق الأفراد جميعاً فى ممارسة الشعائر الدينية الخاصة، وحقوقهم فى الأمن والحرية وصون أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ودور عبادتهم.

وشملت الوثيقة الحفاظ على الأمن الاجتماعى والتعايش السلمى بين جميع مواطنى دولة المدينة؛ حيث قال «إنه من خرج آمن، ومن قعد بالمدينة آمن، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى»، كما حفظ حق الجار فى الأمن والحفاظ عليه كالمحافظة على النفس؛ حيث قال «وإن الجار كالنفس غير مضار ولا إثم»، كذلك إقرار مبدأ المسئولية الفردية، وتبدأ هذه المسئولية من الإعلان عن النظام، وأخذ الموافقة عليه، وهو ما أكدته الوثيقة بقولها «إنه لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما فى هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه وإن النصر للمظلوم»، كذلك التعاهد على نصرة المظلوم ونبذ الفتن والبعد عن التصارع الطائفى، وإنه لا مجال لمحاربة طائفة، أو إكراه مستضعف.

"علام": شملت قواعد حاكمة على مستوى الأفراد والمجتمعات

فيما أكد الدكتور شوقى علام، مفتى الديار المصرية، فى تقرير له عبر موقع الدار، أن أخلاق النبى وسيرته الشريفة العطرة قبل الهجرة شملت ممارسات التسامح، لكنها تحولت فى المدينة المنورة إلى منظومة عامة، ودستور مدنى، ومبادئ راسخة، وعلاقات أخلاقية، وقواعد حاكمة، على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول، بدءاً من أول يوم دخل فيه النبى إلى المدينة مفتتحاً ذلك بالسلام والتعاون والمواطنة.

"جمعة": مثلت قمة الوعى بأهمية الولاء للوطن

د. على جمعة، عضو هيئة كبار العلماء والمفتى السابق، أكد، عبر موقعه الرسمى، أن الوعى بالمعنى الصحيح لمفهوم المواطنة يستدعى وقوف الجميع على قدم المساواة فى الحقوق والواجبات، فالنبى قرر فى وثيقة المدينة أن جميع أبناء الدولة يد واحدة على من سواهم، يدفعون التهديد والعدوان عن أرضهم، ويتعاونون فيما بينهم لتحقيق مصالحهم، وحفظ دمائهم وحقوقهم وكرامتهم، فحب الوطن لا ينبغى أن يقف عند المشاعر والعواطف، بل لا بد أن يترجم إلى سلوك صالح نافع للفرد والمجتمع.

"عبدالحليم": تعنى العيش المشترك بين الفئات

وقال د. عبدالحليم منصور، عميد كلية الشريعة والقانون لـ«الوطن»، إن وثيقة المدينة تعنى العيش المشترك بين فئات الشعب، وفق قواعد المساواة فى الحقوق والواجبات، وعدم اضطهاد البعض بسبب العقيدة، أو اللون، أو الجنس، وتأصيل هذا المبدأ يجد أساسه إضافة إلى التطبيق العلمى له من قبل المسلمين الأوائل، فى وحدة الأصل الإنسانى، الذى تنبثق عنه الأخوة الإنسانية، والمساواة البشرية، ذلك أن الناس جميعاً ينتسبون إلى أصل واحد، فقال تعالى «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء»، فكل الناس سواء فى أصلهم وجنسهم، وقال تعالى «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، فالإنسان أينما كان هو أخ لغيره من الناس فى كل مكان، وتفرقهم شعوباً وقبائل لا ليتناحروا، ويتنازعوا، ويتباغضوا، ولكن ليتعارفوا، وهذا التعارف يتيح لكل فريق أن ينتفع بخير ما عند الفريق الآخر، ومن ثم فإن الإيمان الصادق بالوحدة الإنسانية، هو السبيل الأمثل لإنقاذ البشرية من كل ما تعانى منه من عصبية عرقية، أو جنسية، أو طائفية، جلبت على المجتمع الإنسانى قديماً وحديثاً، أشد الأخطار وأفدحها، وأكبر الأضرار وأنكاها، وأوضح أن النبى عند هجرته من مكة إلى المدينة حرص على قيمة الوطن والانتماء إليه والعمل على دعمه واستقراره من القيم التى ينبغى التمسك بها والحرص عليها، كما حرص صلى الله عليه وسلم، على ترسيخ عدد من القيم الإنسانية ومن أهمها، قيمة احترام الآخر والتعايش السلمى واحترام إنسانية الإنسان وإقرار العيش المشترك، والوفاء بالعهود والمواثيق وهو ما أقرته وثيقة المدينة.

"الجندى": أهم وثيقة عرفتها الإنسانية.. وأصلت لروح الدولة والمواطنة

وأوضح د. محمد الشحات الجندى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن الوثيقة مثلت نموذجاً حضارياً راقياً للتعايش وبناء الدولة، فتعتبر أهم وثيقة عرفتها الإنسانية فى تأكيد التعايش السلمى بين البشر، على اختلاف الدين والعرق واللون وكل شىء، كذلك قامت الوثيقة على الوحدة الوطنية والمواطنة، وروح الإخاء والمحبة بين أبناء الوطن الواحد، وأضاف: «الوثيقة أسست فقه العيش المشترك فى تاريخ البشرية جمعاء، وأصلت لروح الدولة والمواطنة، وما فعله النبى الكريم هو تشريع دولى لحرية المعتقد، فعندما استقبل النبى وفد نصارى نجران فى المسجد النبوى كان ذلك تأسيساً للإنسانية جمعاء، وأنه لا دولة فى وجود الفوضى».

"النجار": ترسخ لمبدأ التواصل الإنسانى بين بنى البشر جميعاً بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية

فيما أكد د. عبدالله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن الله اختص رسالة الإسلام وجعلها مبنية على الرحمة، قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ»، موضحاً أن الله جعل رسالة النبى شاملة للإنسانية كلها ورحمته تعم الإنسانية كلها، وتشمل كل الناس بغض النظر عن الدين والجنس والعرق، مشيراً إلى أن رسالة الإسلام تبعد بالإنسان عن العنف والظلم والتفرقة بين إنسان وآخر، وهذا ما أكدت عليه وثيقة المدينة، ورسخته، فالجميع أمام الله سواء، لا فضل لعربى على أعجمى، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.

وأوضح أن وثيقة المدينة التى حررها النبى بعد الهجرة إلى المدينة ترسخ لمبدأ التواصل الإنسانى بين بنى البشر جميعاً، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية، فقد جعلهم الرسول مع المسلمين أمة واحدة يدافعون عن المدينة وقت الخطر، ثم انتقل لقواعد العيش الداخلى، فأكد أن لا تظالم أو تشاحن أو تباغض، وأن الجميع سواسية أمام القانون، وأن على الجميع واجب تقديم الدعم والمساندة لمن يكون فى مشكلة من مكونات المجتمع.

 

أقرا إيضا

إعلانا الأزهر لـ"العيش المشترك والأخوة الإنسانية".. الامتداد المعاصر للوثيقة

  

عضو "كبار العلماء": كفلت حقوق المسلمين وغيرهم وكانت عنواناً للحرية.. ورسخت "المحبة" أساساً للتعامل


مواضيع متعلقة