صاحبها يهوى بها في جهنم.. كيف تعامل الإسلام مع الشائعات ومروجيها؟

كتب: سعيد حجازي

صاحبها يهوى بها في جهنم.. كيف تعامل الإسلام مع الشائعات ومروجيها؟

صاحبها يهوى بها في جهنم.. كيف تعامل الإسلام مع الشائعات ومروجيها؟

تعد ظاهرة ترويج الشائعات من أكثر الإشكاليات التي يعاني منها المجتمع، خلال الفترات الماضية، لما لها من آثار مدمرة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

وذكر تقرير لدار الإفتاء حول طريق علاجها شرعا، وبين السلوك الإسلامي القويم إزاءها، أن "النصوص الشرعية من الكتاب والسنة تضافرت على حرمة المشاركة فيما يعرف في العصر الحديث ب"ترويج الإشاعة" التي تعني نشر الأكاذيب والأقاويل غير المحققة والظنون الكاذبة من غير أن يتثبت المرء من صحتها، ومن غير رجوع إلى أولي الأمر والعلم والخبراء بالأمور قبل نشرها وإذاعتها حتى وإن تثبت من صحتها، مما يثير الفتن والقلاقل بين الناس".

وتابع التقرير: "ووصف تعالى ما يسمى الان بترويج الإشاعات بالإرجاف، وهو ترويج الكذب والباطل بما يوقع الفزع والخوف في المجتمع، فقال تعالى "لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا  ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا"، وأصل الإرجاف من الرجف وهو الحركة، فإذا وقع خبر الكذب فإنه يوقع الحركة بالناس فسمي إرجافا.

وذكر الماوردي في "تفسيره" عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الإرجاف التماس الفتنة، وعن قتادة: أن المرجفين هم الذين يذكرون من الأخبار ما تضعف به قلوب المؤمنين، وتقوى به قلوب المشركين.

وبحسب التقرير، فنبهنا الله تعالى إلى أن كثيرا من الظنون يجب اجتنابها ابتداء وإهدارها تماما من غير تبيين ولا تعيين ولا تحقق، بل يجب اجتنابها ابتداء وجملة واحدة، ولا شك أنه يدخل فيها تلك الظنون التي تثير الفتن والقلاقل وتوقع بين الناس، مؤكدا سبحانه على أن هناك من الظنون ما هي إثم، ناهيا عن تتبع الظنون بما يوجب التجسس على الخلق وتتبع عوراتهم ومعايبهم واغتيابهم.

كما يندرج ترويج الإشاعات تحت النهي عن "قيل وقال"؛ فأخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال»، ويدخل في "قيل وقال": الخوض في أخبار الناس، وحكايات ما لا يعنيه من أحوالهم وتصرفاتهم، فضلا عن الترويج للأكاذيب والأضاليل وما يثير الفتن.

مروج الشائعات 

كما أن مروج الإشاعة لو أدرك عظم الجرم الذي يفعله بسبب الاثار المدمرة للإشاعة على المجتمع لما تهاون بصنيعه قط، وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم»، ولا شك أن ترويج الإشاعات يندرج تحت تلك الكلمات التي لا يلقي لها بالا فيدخل بها صاحبها للأسف في سخط الله تعالى، ويهوي بها في جهنم والعياذ بالله.

وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم أن يتحدث المرء بكل ما سمع، فإن من يتحدث بكل ما سمع سيقع في الكذب وترويج الباطل؛ لأنه يحدث بكل ما سمع دون تثبت أو تحقق؛ فأخرج أبو داود في "سننه" والحاكم في "مستدركه" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع»، وصححه ابن حبان وغيره".

علاج الشائعات 

أوضحت الدار، أن علاج الإشاعات إنما هو بوأدها في مهدها قبل تفاقمها والامتناع عن إذاعتها، وحتى مع التثبت من صحة إشاعة ما فإن ذلك لا يعني المسارعة في نشرها والإرجاف بها وإذاعتها وإفشائها، بل لا بد من الرجوع في شأنها إلى أولي الأمر وأهل العلم والخبراء بها قبل التحدث فيها حتى لا يكون نشر مثل هذه الإشاعات -حتى وإن صحت في حقيقة الأمر- وبالا على المجتمع أو تسهيلا للجرائم أو مثارا للاضطراب، وإلى هذا أرشدنا الله تعالى بقوله: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾ 

وأضافت: "أمرنا عز وجل برد الأمور سواء من الأمن أو الخوف إلى أولي الأمر والعلم أولا قبل إذاعتها والتكلم فيها، حتى يكون الكلام فيها وإذاعتها عن بينة وتثبت وتحقق من شأنها، ونبهنا تعالى إلى أنه متى لم ترد الأمور قبل إذاعتها إلى الرسول وإلى أولي الأمر والعلم فإن ذلك يكون اتباعا للشيطان، قال الإمام البغوي، والإمام القرطبي في "تفسيره": لعلمه الذين يستنبطونه منهم، أي: يستخرجونه وهم العلماء، أي: علموا ما ينبغي أن يكتم وما ينبغي أن يفشى.

علاجها إذا وصلت إلى الإنسان هو التحقق والتثبت وعدم المسارعة فيها، ثم بعد التثبت منها عليه أن يرجع في شأنها إلى أولي الأمر والعلم والخبرة، لا المساعدة على ترويجها، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. 

وكما نهى الشرع الحكيم عن إذاعة الشائعات والإرجاف في الأرض نهى تعالى عن سماعها فقال تعالى ناعيا هذا الخلق على بعض اليهود: ﴿ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم اخرين﴾، ونعى سبحانه على الذين يسمعون للمرجفين والمروجين للشائعات والفتن؛ فقال تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين﴾. 

وبالإضافة إلى ما سبق فإن المولى عز وجل يرشدنا إلى السلوك الإسلامي القويم عند رواج شائعة خطيرة ما، وذلك في ثنايا معالجة القران الكريم لحادثة الإفك، والتي تعتبر أخطر إشاعة تم ترويجها في عهد النبوة.

وأولى خطوات السلوك الإسلامي القويم إذا راجت شائعة ما خطيرة: وجوب حسن الظن بالنفس وبالغير.

وثانيها: التحقق ومطالبة مروجي الشائعة بأدلتهم عليها والسؤال عمن شهدها.

وثالثها: عدم تلقي الشائعة بالألسن وتناقلها.

ورابعها: عدم الخوض فيما ليس للإنسان به علم ولم يقم عليه دليل صحيح.

وخامسها: عدم التهاون والتساهل في أمر الشائعة واعتبارها أمرا هينا وهي عند الله عظيمة، لما فيها من الوقوع في أعراض الناس وإثارة الفتن والإرجاف في الأرض.

وسادسها: أمرنا الله تعالى إذا وردت إلى مسامعنا شائعة ما أن نقول: ﴿ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾".


مواضيع متعلقة