نهر النيل وبداية صراع المياه

نشأة الحضارات القديمة (حضارة وادى النيل وحضارة بلاد الرافدين و حضارة الهند والصين وحضارة سبأ) على ضفاف الأنهار هى حقيقة تاريخية اتفق عليها المؤرخون والأدباء والفلاسفة والعلماء، كما اتفقوا أيضا على أن الحضارات تنهار ووتندثر بسبب انهيار الزراعة التى تعتمد على الماء. ومياه نهر النيل تشكل 95% من مواردنا المائية فى مصر إضافة إلى القليل من الأمطار على الساحل الشمالي والتى لا تتعدى 200مم فى السنة تقريبا. واليوم يزداد الحوار سخونة حول مواردنا المائية من نهر النيل والخوف من تقلصها جراء تسارع دول المنبع الافريقية لإنشاء سدود المياه بغرض ظاهري إعلامي هو توليد الطاقة الكهربية بينما هناك هدف خفي استرتيجي وهو التحكم فى المياه وتخزينها وعرضها للبيع كسلعة اقتصادية للتصدير. حقيقة إن موضوع المياه من الموضوعات الحيوية وحقيقة أيضا أن تضاد المصالح بين دول حوض النيل التسع يجعل من الصعب عليها أن تجد أسلوبا للتعاون فيما بينها والوصول إلى صيغة توافقية لاتفاقيات أو معاهدات سياسية أو إقتصادية يجري على أساسها التحكم فى إستغلال النهر بطريقة فعالة ترضي الجميع. إن تعقد الموقف السياسي بين دول حوض النيل يصاحبه أيضا تعقد الطبيعة الجغرافية والجيولوجية لمنطقة نهر النيل والذى نحاول توضيحها اعتمادا على المراجع والأبحاث العلمية. يتكون نهر النيل من حوضين فرعيين هما روافد النيل الأبيض و روافد هضبة الحبشة ولكل منهما نظامه المائي المنفصل قبل اندماجهما سويا فى مجرى نهر النيل الرئيسي بالقرب من مدينة الخرطوم. يمثل النيل الأبيض نظاما لحوض فرعي استوائي وتمثل روافد الهضبة الحبشية نظاما ثانيا لحوض فرعي آخر لنهر النيل. وابتداء من مدينة الخرطوم يسمى النهر باسم النيل. ينقسم النظام الفرعي لحوض River Basin النيل الأبيض الاستوائي جغرافيا وجيولوجيا إلى تحت نظامين من الروافد Affluents. مجموعة الروافد الأولى تعرف بأرض البحيرات التى تتضمن بحيرات فكتوريا، البرت، إدوارد وكيوجا وتساهم بحوالي ثلاثين مليار متر مكعب من المياه سنويا للنهر. مجموعة الروافد الثانية، أو تحت النظام الثاني، تعرف بروافد نهر سمليكي ويجري معظمها فى دولتى الكونغو الديموقراطية (زائير سابقا) و أوغندا وتزود النهر بحوالي ثمانية مليارات ونصف متر مكعب من المياه سنويا. تندمج مجموعتا الروافد هذه شمال بحيرة ألبرت لتشكل ما يعرف ببحر الجبل وهو نهر جبلي يبدأ منه النيل البيض رحلته حاملا حوالي خمسين مليار متر مكعب من المياه سنويا. يساهم النيل الأبيض بحوالي 15% من مياه النيل ويمتد لمسافة 2500 كيلومتر شمالا حتى نقطة التقاءه بالنيل الأزرق بالقرب من مدينة الخرطوم. يؤثر على كمية المياه فى النيل الأبيض عملية البخر نتيجة الحرارة العالية و الكثافة العالية للنباتات الطافية والمساحات الكبيرة من المستنقعات والسبخة فى جنوب السودان مما يهدر ملايين الأمتار المكعبة خلال عملية البخر. تبلغ كمية المياه فى النيل الأبيض عند وصوله عند نقطة إلتقاءه بالنيل الأزرق حوالى 14 مليار متر مكعب من المياه أى أنه يفقد حوالى 36 مليار متر مكعب من المياه قبل أن يصب فى مجرى نهر النيل. ينقسم النظام الفرعي الثاني وهو المعروف بروافد الهضبة الحبشية إلى ثلاثة تحت نظم من الروافد الفرعية، الأول هو النيل الأزرق وروافده وهو النهر الرئيسي ويقع فى الوسط ، والثاني هو نهر السوباط ويقع جنوب النيل الأزرق والثالث هو نهر عطبرة ويقع إلى الشمال من النيل الأزرق. تنبع روافد النيل الأزرق بصفة أساسية من بحيرة تانا وتبلغ كمية المياه التى يحملها حوالي 54 مليار متر مكعب فى السنة. يساهم الرافد الثاني وهو نهر السوباط بحوالي 13.5 مليار متر مكعب من المياه سنويا عند التقاءه النيل البيض جنوب ملكال. أما الرافد الثالث، نهر عطبره، فهو يضيف ما مقداره حوالي 12 مليار متر مكعب من المياه إلى النيل عند نقطة إلتقائهما على بعد 250 كيلومتر شمال مدينة الخرطوم. مما سبق يتبين أن النظامين الرئيسيين للنيل يجريان على أراضى ثمانية دول قبل أن يندمجا معا عند الخرطوم والدول هي رواندا، بورندي، تنزانيا، الكونغو الديموقراطية (زائير سابقا)، كينيا، أوغندا، إثيوبيا، السودان ثم يتجه شمالا إلى البحر المتوسط من خلال مصر ليبلغ عدد دول حوض النيل التسع. يتضح مما سبق تعقد الوضع الجغرافي والجيولوجى لمنطقة حوض النيل بتعدد الدول المشتركة فى النهر ويزداد الأمر صعوبة بسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية لشعوب الكثير من دول حوض النيل مما يدفع حكوماتها إلى محاولة تحسين أوضاع شعوبها وبالتالى النظر إلى إستغلال مواردها وثرواتها الطبيعية وفى مقدمتها المياه الجارية بسهولة دون عناء أو مجهود من هذه الدول للحصول عليها، ولكن يمكن لها التحكم فيها وبيعها لمن يحتاجها! من هنا يجب على المسئولين والقائمين على الأمر فى مصر أن يتفهموا كل الجوانب المتعلقة بمشكلة المياه بين دول حوض النيل وضرورة إيجاد حلول واقعية ومقنعة لدول المنبع التى تمتلك منابع مياه نهر النيل داخل أراضيها كأمر واقع ولها السيادة على أراضيها شئنا أم أبينا وأن نرشد سيل الفتاوى الاعلامية والسياسية والعلمية التى لا تطرح حلولا واقعية تستند على مبدأ المصالح المشتركة للدول ولكنها تضر بالآراء الانفعالية ضد بعض دول حوض النيل وتعكر علاقاتنا بها. كما يجب التركيز على مشروعات مائية داخل مصر لتوفير المياه قبل النظر إلى مشروعات باهظة التكاليف لاستغلال مياه أنهار أخرى خارج حدود مصر. بصفة عامة وعاجلة يجب التخطيط الجاد لقضية إدارة المياه بوضع إطار شامل لموارد المياه بالنهر Comprehensive Water Resources Framework للحفاظ على المياه وإزالة مخاوف البسطاء واحباطات الشعب المصري الصبور، فكفاه قسوة الأوضاع الحالية!