ضريح عبدالناصر.. قِبلة مريدي الزعيم من المصريين والعرب

كتب: محمد حامد

ضريح عبدالناصر.. قِبلة مريدي الزعيم من المصريين والعرب

ضريح عبدالناصر.. قِبلة مريدي الزعيم من المصريين والعرب

نصف قرن تقريباً مر على رحيل الرئيس جمال عبدالناصر إلى رحاب ربه، ولم تنقطع وفود الزائرين عن ضريحه، عادة ما يتوافدون ثلاث مرات كل عام، في 15 يناير ذكرى ميلاده، و23 يوليو ذكرى الثورة، و28 سبتمبر ذكرى رحيله، ليرفعوا أياديهم ثم يتلون الفاتحة على روح ذلك الذى يرقد، ويدعون له بالرحمة والمغفرة.

ضريح ناصر يفتح أبوابه أمام الوافدين منذ الصباح الباكر، ولا يغلقها إلا بعد صلاة العصر، وهو وقت كافٍ يستوعب كل من يرغب فى زيارته، وفي العادة يكون أبناؤه أول الحاضرين، "خالد" الأكبر قبل أن يتوفى، و"عبدالحكيمط الأصغر الذى يواظب على الحضور دائماً، يقف على الباب الخارجي يستقبل الزائرين، ويشد على أياديهم، قبل أن ينصرفوا جميعاً، تاركين المكان يغرق في صمت مهيب.

«الأسواني»: أبيع جلاليبي وأزوره ده عاش ومات علشان الغلابة

شارع صاخب لا ينقطع عنه ضجيج السيارات، وبوابة خشبية تقود الوافدين من جميع البلدان العربية إلى الداخل، وأرضية رخامية تستقبل خطواتهم، وضريح حجرى يرتفع في مواجهتهم، مزين بنقوش إسلامية وآيات قرآنية ولوحة رخامية تحمل عبارة تقول "رجل عاش لأمة واستشهد في سبيلها"، يتمدد تحته جسد ناصر، يسلمون عليه، قبل أن يتحولوا عنه إلى ضريح آخر جواره، ترقد تحته زوجته الراحلة تحية كاظم، يقرأون لها الفاتحة، ثم يتوجهون لقاعة الزوار التي عادة ما تمتلئ عن آخرها بمريدي الزعيم، وتحوى مجموعة من صوره، وسجادة مطرزة بماء الذهب كتب عليها "إهداء من الشعب الباكستاني"، ليستريحوا قليلاً، قبل أن يولون وجوههم شطر البوابة التي جاءوا منها لتنتهي الزيارة.

"العقرباوي": دافع عن القضية الفلسطينية حتى مماته وماينفعش أبخل عليه بزيارتي

الضريح يقع داخل مسجد كوبري القبة الخيري -جمال عبدالناصر حالياً- في الطابق الأرضي بمنطقة كوبري القبة بالقاهرة، على بعد أمتار قليلة من وزارة الدفاع وجامعة عين شمس، وعلى بعد مسافة قصيرة من المنزل الذى كان يسكنه "ناصر" بمنطقة منشية البكري، وينفرد ببوابته الكبيرة التي تطل على شارع الخليفة المأمون، وتبعد عن بوابة المسجد التي تطل على المسافة الواقعة أسفل كوبري السيارات الذي يصل ما بين شارع الفنجري، وميدان حدائق القبة.

أرض هذا المسجد مهداة من الدولة لجمعية كوبري القبة الخيرية بإيجار رمزي قدره جنيه واحد سنوياً، وبدأ الزعيم العمل في هذا المسجد عام 1962، وأمر باستكمال المشروع على نفقة الدولة وأشرف على إعداده وتجهيزه على الطراز العربي الحديث في عام 1965، وتكلف إنشاؤه أكثر من 300 ألف جنيه، وأدى فيه صلاة الجمعة عدة مرات قبل أن يواريه التراب في المسجد نفسه.

بشير الأسواني، مواطن مصري (62 عاماً) يحرص على زيارة الضريح، يقول لـ"الوطن": "زيارتى للزعيم تمثل لى راحة نفسية كبيرة، وباحس إنه واجب عليا أن أدعو لهذا الرجل الذي وقف بجانب الغلابة".

"أزور الضريح كل عام، وعندما أدخل قاعة الزوار وأرى صورة ناصر باحس بالأمل مرة أخرى، ودائماً ما أحكي عنه وعن تاريخه المشرف لأبنائي وأحضرهم معي لزيارته، كي يعرفوا ما فعله من أجل بلدهم، وانتشل أجدادهم من الفقر والجوع وحقق العدالة الاجتماعية، يحكي الأسواني عن زياراته لضريح عبدالناصر.

وأضاف: "لا آتي ثلاث مرات كل عام، ولكن في الغالب تكون مرة واحدة في ذكرى ثورة يوليو، أو حسب ظروفي الخاصة، المهم آجي للزعيم من أسوان حتى لو هبيع جلاليبي، ده راجل عاش ومات علشان الغلابة والفلاحين اللي زينا".

ويتوافد على الضريح زائرون من جميع البلدان العربية تهدي "ناصر" تعبيراً عن احترامهم له وتقديرهم لزعامته وولائهم له، مثلما فعل أبو رائد العقرباوي، مواطن فلسطيني (77 عاماً) مقيم في الولايات المتحدة، يزور مصر 3 مرات كل عام، مرة في ذكرى ميلاد ناصر، ومرة في ذكرى وفاته، ويوم 23 يوليو لإحياء ذكرى الثورة التي قام بها.

ويفتخر "العقرباوي" قائلاً: "أنا قومي عربي، ولم أنقطع عن زيارة ضريح عبدالناصر منذ أكثر من 20 عاماً، وآتى من الولايات المتحدة خصيصاً له، ولا يمكن أن تفوتنى مناسبة له كي ألقى السلام على روح الزعيم الطاهرة الذي يمثل لنا كعرب رمزاً للعزة والكرامة، ولولاه ما خرج الاستعمار من بلادنا العربية".

وأضاف: "في إحدى السنوات تعثرت ظروفي، وكانت قد اقتربت ذكرى ثورة يوليو، فقمت باقتراض مال من أحد أصدقائي كي أتمكن من زيارة جمال"، متابعاً: "هو لم يبخل علينا بجهده في حياته وظل يدافع عنا حتى مماته، ولا يمكن أن أبخل عليه بزيارتى له مهما كانت الظروف".

وأكمل أنه عندما كان يأتي إلى مصر يكون "خالد" الابن الأكبر لعبدالناصر في استقباله ويصطحبه إلى الضريح في الصباح، وعندما تنتهي الزيارة يستضيفه في بيته بمصر الجديدة، وبعد وفاته يذهب إلى الضريح ليقرأ الفاتحة على روح الزعيم ويسلم على عبدالحكيم الذي يواظب على الحضور دائماً، وهدى ومنى اللتين يراهما من حين لآخر.

وتابع: "اعتدت على زيارة عبدالناصر من باب التقدير والاحترام لهذه البطل العظيم، فهو لا يزال حياً في قلوب أمته العربية، وكل الشعب الفلسطيني يحب هذا الرجل ويترحم عليه باعتباره بطل القومية العربية ومحرر بلادها من الاستعمار كالجزائر والمغرب وتونس وأفريقيا".

وزاد: "ناصر لن يموت أبداً وسيظل رمز العزة والكرامة والحرية في العالم، هو الذي استرد لنا الكرامة وحقق العدالة الاجتماعية، وكان مدافعاً شرساً عن القضايا العربية ويريد استرداد حقوقنا المسلوبة منذ عقود، ومن بعد رحيله انقسمت وحدة الشعب الفلسطيني إلى تنظيمات مختلفة وبعيدة عن القضية الأساسية التي ظل يدافع عنها حتى الممات".

وأردف: "خسرنا كـ عرب بموت هذا الرجل ولو كان موجوداً ما حدث ما يحدث الآن في الدول العربية، فقد قضى عمره كله واقفاً بجوار أمته العربية، وكانت آخر لحظات في حياته بسبب موقفه من الشعب الفلسطينى وقضيته، فهو رحل ولن يتكرر مرة أخرى". 


مواضيع متعلقة