غزو الأتراك لا الأكراد

علاء شلبى

علاء شلبى

كاتب صحفي

تنسحب أزمة الرؤية العربية على كل قضية وأى مسألة يتداولها الرأى العام، وتتجلى الأزمة بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعى التى تصل مجتزئة لكل بيت وكل رجل وامرأة وشاب وفتاة وطفل ومسن، بحكم انتشار الهواتف الذكية فى كل يد.

الأزمة فى وسائل التواصل الاجتماعى، خاصة «فيس بوك» كما فى المشرق والمغرب العربى، و«تويتر» كما فى الخليج العربى، أن كل مستخدم قد يرى العالم على غير حقيقته مختزلاً فى دائرته الإلكترونية الاجتماعية، بما يتصور معه أن الآراء والمعلومات ورؤوس الموضوعات الصحفية (معلومة أو مُجهَّلة المصدر) تعبّر عن العالم وأزماته وتوجهاته ورؤاه، وهكذا، حتى ليتشتت ذهنه عن الواقع، ويتحول لطرف فى معارك وهمية وواهية، ربما بتعليق أو مشاركة، أو حتى بإعجاب، وأحياناً بصمت ظاهرى يُخفى فى أحشائه صراعاً بين هذا الرأى/ الموقف وذاك.

النتيجة.. تتوه الحقائق وتتشرذم الجماعات فى مناخ من الاستقطابات غير الصحية، وفى قطاع غير محدود من غير المهتمين بالشأن العام ضحايا المعارك الوهمية والصور المصطنعة والرسائل الاتصالية الضمنية التى يجيد صناعتها الخبراء من عبيد مال الجماعات السياسية.

هكذا نجد العدوان التركى فى شمال سوريا يُعرض علينا من زوايا عدة كردّ على عدوان كردى، وقد تبتلع المعنى بتقنية عاطفية، ولم لا وكثير من محدثينا ضحايا «بشار الأسد» الذين نتعاطف معهم فى محنتهم ونشاركهم الحزن على ضحاياهم.

وهناك منطق سلس وبسيط نستجيب له بكل سهولة ويسر، فتجربة العراق مؤسفة، وأكراد العراق انفصاليو النزعة، وغالبية السياسيين الأكراد لم يترددوا فى وضع أيديهم فى يد عدونا إسرائيل، وعملاء لأمريكا، وربما للشيطان، ومارسوا جرائم بحق العرب، وحتى التركمان، وفى العراق وفى سوريا.

هكذا إذاً، فالأراضى التى تغزوها تركيا باتت فجأة «أراضى لا تخضع للسيادة السورية»، وهكذا أيضاً فالأكراد يستحقون، وهكذا أيضاً فالأتراك لا يعبثون فى سوريا، وإذا كانوا يعبثون فماذا عن روسيا وإيران، وحتى الأمريكان، ولماذا لا يكون الأتراك هم الأخيار، والآخرون هم الأشرار والبغاة؟!

قد يقع المتلقى فريسة سهلة لكل ذلك، وغيره الكثير، وننسى حقائق القانون والجغرافيا والتاريخ، وحتى الأخلاق.

الأكراد ليسوا «خزاعة» كما فى الفيلم المصرى العظيم «الشيماء»، ونتوقف لنؤكد أن الأتراك ليسوا أيضاً كذلك، بل نظام حكمهم هو كذلك.

من أدخل الفرقة ١٠١ الأمريكية من شمال العراق فى ٢ أبريل ٢٠٠٣ لتسقط بغداد بعدها بأسبوع واحد؟

من يملك برنامج تعاون عسكرى ثنائى مع إسرائيل منذ ١٩٩٩ وقام بتوسعته من التصنيع إلى الشراكة فى ٢٠٠٥، ومنح فضاءه الجوى مجالاً للطيران الإسرائيلى الذى لا يجد فى فلسطين المحتلة مجالاً كافياً للتدريب العملى؟

من يحتل لواء إسكندرونة فى سوريا؟

من سهّل وصول التمويل والتسليح وأشرف على التدريب وقام بالتوجيه لجماعات كالنصرة وداعش وأحرار الشام ولم يتوقف عند ما عُرف بالجيش السورى الحر؟

من يدعم سيطرة «جبهة النصرة» على إدلب بدلاً من توفير حتى إدارة سياسية تعبر عن المعارضة السياسية السورية فى الإقليم الحدودى؟

من ينشر فرقتين مدرعتين فى مناطق إدلب ومحيط حلب الشمالى والغربى؟

من اشترى النفط السورى المنهوب من «داعش»؟

من استخدم اللاجئين السوريين ورقة ضغط على الاتحاد الأوروبى، ومن يطردهم اليوم إلى داخل سوريا، ومن منح قرابة نصف مليون منهم الجنسية التركية قبل الانتخابات التركية بقليل؟

من قام بالتغيير الديموغرافى فى عفرين ونشر ٦٠ ألفاً من المقاتلين المنسحبين وأسرهم من ريف دمشق وريف حمص وريف حماة وغيرها بعد أن أجبر ٢٠٠ ألف إنسان من العرب والأكراد على النزوح منها؟

ما الدولة التى عينت رسمياً ولاة من مواطنيها على ٣ أقاليم سورية؟

ما القاعدة فى القانون الدولى التى قالت إن الإدارة الذاتية الكردية لأقاليم سورية تعنى خروج تلك الأقاليم من سيادة سوريا.. رغم رفضى لذلك؟

ما القاعدة القانونية التى تقول إن مطالبة الأكراد بدستور فيدرالى لسوريا تعنى الانفصال عن سوريا، رغم موقفى الرافض للفيدرالية؟

رفضى أو موافقتى لا يجوز أن تشكل إملاء على الشعب السورى.

لكن يجب ألا نغفل أن:

1 - أكراد سوريا ٣٦٠ ألفاً من ٢٣ مليون سورى، والميليشيات الكردية لا تعبر بالضرورة عن أكراد سوريا.

2 - الأكراد طرف فى وفود التفاوض الرسمية مع غيرهم من قوى المعارضة السياسية السورية التى تفاوض النظام السورى تحت إشراف الأمم المتحدة لبناء سوريا الجديدة.

3 - الميليشيات الكردية قامت (بدعم أمريكى غير برىء) بالدور الأكبر فى القضاء على تنظيم داعش فى شمال شرق سوريا، ولن يكون بوسعهم الاحتفاظ بالقيادات الإرهابية ظل الغزو التركى.

ودعونا نتذكر أن ١٣ ألفاً من عناصر «داعش» فى سوريا لم يصلوا إلى ليبيا سباحة عبر البحر المتوسط.

الميليشيات الكردية خاطئة ومدانة، لكن ذلك لا يمكن أن يعنى مساندة عدوان أجنبى على دولة عربية أياً كانت الدواعى والذرائع.

وما موقف هؤلاء غداً عندما تكون فصيلة صغيرة من الجيش السورى النظامى فى مواجهة فيلق تركى؟ هل يستمرون فى تبرير العدوان؟

الخطاب ليس موجهاً بطبيعة الحال لتجار السياسة المتخندقين عملياً، لكنه موجه إلى البشر الطبيعيين ذوى الكرامة الذين ربما يسقط بعضهم فى براثن دعايات مقيتة، أو يستجيب لشحن عاطفى ينبع من التعاطف الواجب مع الضحايا.

شىء من التروى.