أفريقيا.. المصير والمسار

لا أدرى إنْ كان منكم مَن شاهد أحداث فيلم (فندق رواندا) وهو عن قصة حقيقية، تم إنتاجه عام 2004م، وقام ببطولته الممثل «دون شيدل»، الذى رُشِّح للفوز بجائزة «أوسكار» عن هذا الدور، حيث قدم لنا فيه قصة البطل الشعبى الأفريقى الرواندى «بول روسباجينا»، الذى كان يعمل مديراً لأحد الفنادق فى مدينة «كيجالى»، وتروى لنا الأحداث أنه كان مجرد إنسان عادى ولكنه قرر فى لحظة معينة من الحياة الانحياز لإنسانيته أثناء المذابح البشعة التى شهدتها بلاده رواندا فى عام 1994م على يد ميليشيات «إنتراهاموى» أثناء الحرب الأهلية، وطوال الأحداث المثيرة والموجعة فى الخلفية كان يقوم «بول» بمحاولة إنقاذ حياة 1200 إنسان من القتل من قبائل التوتسى، عن طريق تخبئتهم فى الفندق الذى كان يديره، كل ذلك فى سياق من الإسقاطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على لحظة تاريخية إنسانية.

ولا أدرى لماذا تذكرت أحداث هذا الفيلم تحديداً وأنا فى طريقى فى الصباح الباكر لحضور الندوة التى نظمتها هيئة البحوث العسكرية بمسرح الجلاء تحت عنوان «الاستراتيجية القومية للتنمية المستدامة ارتباطاً بتنامى العلاقات المصرية الأفريقية»، وقد سيطر على ذهنى طوال الطريق ذلك الشعور وأنا أترقب لحظة النجاة بجلاء الـ1200 شخص من الفندق المذكور فى طريقهم لمخيمات اللاجئين، التى بدت كأنها نصف نجاة، قد حملتهم إلى المجهول حيث الفقر، ولا أمل.

وأعود معكم للندوة التى جاءت فى إطار حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تنمية الوعى القومى والمجتمعى ومناقشة أهم القضايا المطروحة على الساحة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، والتى تأتى أيضاً ضمن ما يعرف بالقوى الناعمة للدولة المصرية.

وقد اشتملت الندوة على ثلاث جلسات علمية ناقشت 12 ورقة بحثية كان قد عكف عليها عدد من أساتذة العلوم السياسية والبحوث الاجتماعية والمحللين والخبراء الاستراتيجيين، تناولت العلاقات المصرية الأفريقية فى المجال السياسى والاقتصادى والأمنى والاجتماعى والإعلامى، وتمت مناقشة مجالات التنمية المستهدفة مع القارة الأفريقية، إضافة إلى طرح عديد من الاستراتيجيات القومية للتنمية الأفريقية المستدامة فى كل المجالات، وانتهت بعدد من التوصيات المهمة والقابلة للتنفيذ على أرض الواقع وتصور منطقى قابل للتطبيق لملامح الاستراتيجية القومية والاستراتيجيات التخصصية للتنمية المستدامة فى جميع مجالات قوى الدولة الشاملة، وذلك فى إطار أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وكذلك استراتيجية مصر للتنمية المستدامة 2030، وأخيراً أجندة أفريقيا للتنمية المستدامة 2063.

وقد تذكرت أيضاً، وأنا أستمع للجلسات، مقولة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر: (إرادة أفريقية حرة وواحدة، نحن جميعاً فى نفس القارب، نواجه التحدى الحقيقى لمطالب الحرية والحياة). فالدائرة الأفريقية كانت هى الدائرة الثانية بعد الدائرة العربية فى سياسة الزعيم جمال عبدالناصر الخارجية، وباستعراض جهود السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى -التى تتزامن حالياً مع رئاسة لمصر للاتحاد الأفريقى- ومنذ توليه الحكم وحتى الآن، على العديد من المستويات، نجد توجهه لأفريقيا قوياً للغاية، حيث يعمل على توحيد الرؤى السياسية وتنسيق المواقف واتساقها، بناءً على نظرة مستقبلية وخطة واقعية، من أجل مشاركة مصرية أفريقية فى استنهاض الموارد البشرية والمادية، وتفعيل برامج للنهوض بالإنسانية والخدمات، وإعلاء قيم التفاوض والحوار وتشجيع احترام القانون.

وسأختم بكلمة لسيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى:

«أقول إننا نبذل الجهود ونُعد الخطط، آملين أن نترك لكم قارة أقوى مما ورثناها وأن نفتح لكم آفاقاً أرحب مما وجدنا وأن نخلق لكم أدوات تمكنكم من قيادة دفة أفريقيا الآمنة القوية، وكونوا على ثقة بأننا نؤمن دائماً بكم وبأحلامكم».