هل يختفى حلف «الناتو».. وكيف؟
- حسن أبو طالب
- قمة حلف شمال الأطلنطى
- الناتو
- ماكرون
- ترامب
- حسن أبو طالب
- قمة حلف شمال الأطلنطى
- الناتو
- ماكرون
- ترامب
قبل ثلاثة أسابيع لقمة حلف شمال الأطلنطى «الناتو» المقرّرة مطلع ديسمبر المقبل، أثار الرئيس الفرنسى ماكرون زوبعة كبرى بتصريحاته التى وصف فيها الحلف بأنه فى حالة «موت سريرى»، معتبراً أن المسئول عن ذلك أمران؛ أولهما سياسة الرئيس ترامب المتذبذبة تجاه الحلف، والثانى السياسة الاستقلالية المناهضة لمعايير الحلف، التى تتبعها تركيا فى سوريا وضد حلفاء رئيسيين للغرب -أى الأكراد- فى محاربة الإرهاب. وزاد الرئيس الفرنسى الأمور تشكيكاً فى ما يتعلق بقابلية الحلف لتطبيق المادة الخامسة من ميثاقه التى تفرض على أعضاء الحلف الوقوف مع أى عضو يتعرّض لهجوم خارجى. وفى كلمات لا تنقصها الصراحة، اعتبر «ماكرون» أن رؤية الرئيس ترامب للحلف هى رؤية تجارية، وليست ذات صلة بالدفاع الجماعى، إذ يريد من خلال الحلف أن يبيع معدات عسكرية أمريكية للأعضاء، وهو ما ترفضه فرنسا.
التوصيف السابق رغم قسوته يؤيده الكثير من الأحداث والمواقف الأمريكية والتركية والأوروبية بوجه عام، ورغم أن الرئيس ماكرون لم يتحدث عن اختفاء الحلف أو تقويض أسسه، بل حدّد عناصر ضعف رئيسية يواجهها الحلف فى اللحظة الحالية تمثل خطراً جسيماً عليه، فقد رأت دول أوروبية، وفى مقدمتها ألمانيا وبولندا، وبالطبع الولايات المتحدة، أن تلك التصريحات مجافية للحقيقة، وأن الحلف ما زال يشكل أساس الأمن فى أوروبا وضفتى الأطلنطى. بعض التحليلات الأوروبية رأت أيضاً أن موقف ماكرون يعكس نوعاً من المشاكسة السياسية مع الولايات المتحدة الناتجة عن رغبة فرنسا بالشروع فى بناء قوة أوروبية مستقلة عن الحلف تلعب فيها بلاده مع ألمانيا الدور الأكبر، وبحيث تكون تلك القوة عنصراً رئيسياً للأمن الأوروبى، تعكس قدراً من الاستقلالية الأوروبية عن التذبذبات الأمريكية، وتكون بمثابة قوة احتياط إذا ما تخلت واشنطن لأى سبب عن الوقوف مع أى دولة أوروبية تتعرّض لتهديد. ومعروف أن الولايات المتحدة ترفض أى حديث عن قوة أوروبية مستقلة قد تخصم من فاعلية «الناتو»، وتثير الشكوك حول الدور القيادى الأمريكى فى الأمن الأوروبى والنظام العالمى معاً.
الحوار المُعلن على هذا النحو يبرز ملامح أزمة يريد الرئيس الفرنسى حسمها فى القمة المقبلة للحلف، مستهدفاً أن يتوافق القادة على وضع معايير صارمة فى ما يتعلق بالسياسات الاستقلالية التى ينتهجها بعض الأعضاء، بما فى ذلك التحرّكات الأمريكية المفاجئة فى قضايا وأزمات تخص أوروبا دون التشاور معها، كما يفترض ميثاق الحلف، فضلاً عن السياسة التركية التى تصفها أنقرة بأنها استراتيجية الأمن المتعدّد التى تتيح التحالف الجزئى مع روسيا فى أزمات إقليمية مختلفة كالأزمة السورية، وأيضاً شراء سلاح متقدم منها كمنظومة «إس 400» المتطورة والمضادة للصواريخ. وهى المنظومة التى تمثل تهديداً للقدرات العسكرية للحلف ككل، وفقاً لمصادره التى تجمع على أن هذه السياسة التركية تؤذى القدرات الدفاعية الجماعية للحلف، وتُحد من فاعليتها، لا سيما تجاه روسيا والصين اللتين يعتبرهما الحلف مصدر التهديد الرئيسى لأمن دول الحلف والأمن العالمى معاً. وفى النهاية يفقد الحلف ثقته فى الدور التركى.
ويقابل تلك الرؤية الفرنسية رؤية الرئيس ترامب التى عبّر عنها مراراً وتكراراً بأن أزمة الحلف تكمن فى أمرين؛ أولهما ارتفاع التكلفة التى تتحملها الولايات المتحدة لبقاء الحلف واستمرار فاعليته، وثانيهما انخفاض مساهمات الأعضاء فى أعباء إدارة الحلف وعملياته وعدم التزامهم بنسبة 2% من إجمالى دخلهم القومى وتوجيهها إلى ميزانية الحلف. وكلتا الرؤيتين متباعدتان، الأولى تتحدث عن أزمة تخص استراتيجية الحلف وأولوياته وطريقة عمله والموقف ممن يخالف تلك الاستراتيجية. والثانية ترى الأمر من منظور اقتصادى ومالى يمكن تجاوزها عبر انصياع الأعضاء للمطالب الأمريكية، مع التمسّك بدور قيادى لأمريكا فى إدارة الحلف لا ينازعه أحد.
هذه الأزمة متعدّدة الأبعاد يُختلف على توصيفها ومدى عمقها، هل هى أزمة عابرة وظرفية، أم أنها أزمة هيكلية. الأزمة العابرة أو الظرفية تعنى أزمة تخص خلافات فى المواقف وتقديرات الأمور يمكن حلها والسيطرة عليها عبر الحوار والتنازلات المتبادلة، ولا تمس قدرات الحلف الرئيسية. أما الأزمة الهيكلية فهى التى تمس عمق عمل المؤسسة وسياساتها الكلية، التى يستحيل معالجتها، ومن ثم تدفع إلى تدهور مكانته ومن ثم اختفائه لاحقاً. أدبيات الحلف هنا ورغم أنها تركز على الدور السلبى لتركيا فى السنوات الأخيرة، فإنها لا تصل بعد إلى طرح فكرة طرد أنقرة من الحلف، لأسباب مختلفة، منها موقع تركيا الجغرافى وقربه من روسيا ووجود عدد من القواعد العسكرية الأساسية التابعة للحلف على الأراضى التركية، ولأن ميثاق الحلف لا يتضمّن آلية معينة تخص طرد أحد الأعضاء. الأدبيات نفسها تطرح احتمال عزل تركيا تدريجياً فى حال استمرار استراتيجيتها الاستقلالية الضارة بالحلف وأمن أعضائه، إلى أن تخرج أنقرة بقرار ذاتى من الحلف حين يصل الأمر إلى أن يكون عبئاً عليها. ويشيرون إلى أن شيئاً من هذا بدأ بالفعل، حين قرّرت واشنطن عزل تركيا عن برنامج الطائرة «إف 35»، التى ستكون الطائرة المعيارية للحلف فى السنوات المقبلة. وآخرون يرون أن ممارسة أقوى الضغوط يمكنها استعادة تركيا كعضو فاعل لا يشذ عن معايير الحلف وميثاقه، لكن لا بد أولاً من اختفاء الرئيس أردوغان.
وفق هذا السياق، يبدو العنصر الخاص بالدور السلبى لتركيا على تماسك الحلف قابلاً للحل بشروط، لكن دون ضمان الانصياع التركى الكامل، وهو ما يجعل أنصار مبدأ الطرد وتوقيع العقوبات يشددون على أن قبول تركيا وهى تمارس سياسة مستقلة عن استراتيجية الحلف، قد يشجع آخرين على القيام بالدور نفسه، كما أنه سيجعل الأعضاء فاقدين الثقة فى تماسك الحلف وقدرته على الدفاع عن أمنهم، مما يعجل بتدهور الحلف ومكانته، وتلك بدورها خطوة كبرى نحو الاختفاء، ولو بعد حين.
وبالتالى، فإن تلك الأزمة التى تبدو عابرة وظرفية تحمل فى طياتها بذور التحول إلى أزمة هيكلية تفت فى بنية الحلف ومؤسساته وقدراته وأدواره. وبالقطع حدوث هذا التحول سيتطلب مرور بعض الزمن، وفى حال تطور كهذا فسوف يجر معه تغيرات هيكلية كبرى فى بنية النظام العالمى ككل. فكما كان تحلل حلف وارسو إيذاناً بنظام عالمى تسيطر عليه القطبية الأمريكية، فإن اختفاء حلف «الناتو» بعد فترة ضعف وتدهور، سيكون بدوره إيذاناً بنظام عالمى جديد، يلبى طموحات روسيا والصين فى عالم بلا تفوق أمريكى ساحق.