"انتو الحرب الأهلية ونحن الثورة الشعبية"

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

منذ اندلاع أحداث الثورة فى لبنان كان يحرص محركوها على التأكيد دوماً على أنها ثورة على الفساد والبطالة والمحسوبية، كانت الثورة ترفع شعار لا للطائفية والكل اللبنانى بأطيافه المختلفة يد واحدة ضد الفساد الذى استشرى فى البلاد، وحولها إلى عزب وملكيات خاصة لبعض القيادات السياسية والحزبية التى أدارت البلاد خلال عقود من الفساد وقادتها نحو أسوأ أزماتها الاقتصادية منذ الحرب الأهلية التى دارت رحاها من عام 1975 إلى عام 1990، ومع استمرار الحراك اللبنانى ورفض الشعب لما يطرح عليه من حلول لا تسمن ولا تغنى من جوع، بدأ يلوح فى الأفق ما كنا نخشاه ولا نتمناه لهذا البلد الجميل المحب للحياة الذى عانى سنوات طويلة من الحرب الأهلية التى أنهكت الدولة والشعب والحضارة معاً.

قيام مناصرى حزب الله وحركة أمل بمهاجمة المعتصمين السلميين وإحراق خيامهم ملوحين براياتهم الحزبية والدينية قرب منطقة الاحتجاج الرئيسية وسط بيروت مرددين هتافات طائفية، هى الشرارة التى أطلقت المارد من غفوته، فتسارع الأحداث فى الشارع اللبنانى فى الأيام الأخيرة وافتعال الأزمات على خطوط تماس سابقة أعادت إلى الواجهة مصطلح الحرب الأهلية والخشية من تكرارها، طارحة علامات استفهام فيما إذا كانت الأرضية مهيأة لها، فى ظل انقسام الشارع وترديد عبارات طائفية ومذهبية من قبَل جماعات محسوبة على أحزاب السلطة، التى تعمل كل ما فى وسعها لإخماد الانتفاضة المطالبة بتغيير أساسى فى الطبقة الحاكمة. فحين يتهدد وجود السلطة فإنها تلجأ إلى ابتزاز المواطنين وتضعهم أمام خيارين: إما بقاؤها أو حرب أهلية أو الإفلاس، وهذه اللعبة تثير توترات وقلقاً على الأرض دون أن تؤدى بالضرورة إلى حرب. هذا الوضع دأبت عليه قوى السلطة بين بعضها البعض قبل وجود وجهة نظر مختلفة، لكن اليوم المشهد مختلف، الشارع اللبنانى بتنوعه يوجه الاتهام إلى من فى السلطة جميعاً، وهو ما أرعب السلطة فى بداية التحركات، لقد تنبه المتظاهرون للمصيدة التى لولا فطنتهم لوقعوا فى شباكها عندما قرروا التعامل بحكمة وذكاء مع مجريات الحراك فأطلقوا هاشتاج يبين نواياهم وتوجهاتهم ويدحض الشائعات المثارة من حولهم، ليفوتوا الفرصة على المندسين ومثيرى الفتن (انتو الحرب الأهلية ونحن الثورة الشعبية). إنها رسالة لمن أرادوا بث الرعب بين المتظاهرين لتشتيت تركيزهم وتحويل مطالبتهم بوطن حر خالٍ من الفساد والحزبية السياسية والدينية إلى اشتباكات مذهبية عنوانها طائفى، كى ينحرفوا عن المسار والأهداف الحقيقية التى اندلعت من أجلها ثورتهم، ومع الوقت تتضاءل المطالب وتتوه فى بحر الاشتباكات الطائفية والصراعات الحزبية فتختزل بالسعى إلى الهدوء والاستقرار.

يقول المراقبون «لا يوجد شارع فى لبنان ضد آخر بالمعنى الحقيقى، فالشارع ضد شارع يفرض وجود كتلة مذهبية أو حزبية فى مواجهة كتلة أخرى». و«تاريخياً فإن قرار الحرب والسلم فى لبنان ليس فقط لبنانياً بل هناك تدخلات خارجية به، والحرب الأهلية وقودها من فى السلطة، وإن كانت هناك ظروف دولية ستساهم فى اندلاعها، فإن قوى السلطة هى المسئولة عنها وأدوات فيها لأنها لا تريد أى تغيير فى تركيبة النظام وإن كان تغييراً جزئياً، لقد فرضت انتفاضة لبنان معادلة جديدة حتى لو لم تتثبت بعد، لكن الوقت سيساهم فى تثبيتها».

إذا كانت مظاهر الحرب الأهلية قد بدأت فى لبنان، بالشحن الطائفى والمذهبى، وهما وقود أى حرب أهلية، غير أن الحرب الأهلية تحتاج إلى قرار وهو غير موجود، وما يحدث مجرد رسائل تحذيرية للضغط وجس النبض ضمن المسموح التلاعب به، والواضح أن حكمة المتظاهرين ووعيهم بالمشهد السياسى يمنعهم من الانجرار إلى المواجهة المباشرة كى لا تفقد انتفاضتهم زخمها الشعبوى بعيداً عن التورط فى اللعبة الطائفية والمذهبية التى تجيدها بعض النخب والأحزاب السياسية وتوظفها وقت اللزوم.