هل ليبيا قطر أو الصومال؟

طارق الحميد

طارق الحميد

كاتب صحفي

بعد الاتفاق الموقع بين حكومة فائز السراج وتركيا، ومطالبة السراج أنقرة بدعمه عسكرياً للدفاع عن طرابلس التى تشهد هجوماً من قوات الجيش الليبى، فإن السؤال هو: ما هو هذا الدعم العسكرى التركى فى ليبيا؟

المؤكد أن التدخل التركى فى ليبيا لن يكون على نطاق عمل عسكرى مفتوح، حيث لا حدود بين تركيا وليبيا، وليس لأنقرة المقدرة على القيام بعمل عسكرى عابر للحدود هكذا، ولذا فإن جُل المؤشرات ترجح أن الأتراك ينوون بناء قاعدة عسكرية فى ليبيا، على غرار قواعدهم فى العراق، التى تبلغ ١٥ قاعدة عسكرية، وفى سوريا حيث يملك الأتراك قرابة ١٢ نقطة مراقبة تحولت إلى قواعد عسكرية حقيقية. وبالنسبة لليبيا، يقول المبعوث التركى هناك «أمر الله إيشلر» إن «تركيا مستعدة لإرسال قوات إلى ليبيا، كما فعلت فى قطر والصومال»، مضيفاً أن «رفع العلم التركى هناك سيعطى الرسالة المناسبة للآخرين»! مما يعنى نية أنقرة بناء قاعدة عسكرية فى ليبيا. فهل ليبيا مثل قطر والصومال؟ بالطبع لا، حيث اختلاف الظروف والمسببات.

والأمر لا يقف عند هذا الحد، فالاتفاق على بناء القواعد، أو بنائها، لا يعنى المقدرة التركية على تغيير الأوضاع على الأرض، فلا القواعد التركية غيّرت فى سوريا، مع وجود الروس والإيرانيين، ولا هى التى تُحدث فرقاً فى العراق، مع وجود الإيرانيين والأمريكيين. وبالنسبة لليبيا فقبل الخوض فى إمكانية إنشائها، من عدمه، يجدر التذكير بالاتفاق الذى وقعته أنقرة مع حكومة البشير المخلوعة عام ٢٠١٧ لإنشاء قاعدة عسكرية تركية بحرية فى جزيرة سواكن، لكن عزل البشير، نتيجة المظاهرات هناك، وتحرك الجيش السودانى، حرم الأتراك من ترسيخ نفوذهم بالسودان، واليوم ربما يكون التدخل التركى فى ليبيا متأخراً، كما أنه غير محمود العواقب لأنه ليس للأتراك مقدرة على فرض واقع فى ليبيا، وتثبيته، دون دعم دولى، وغطاء أوروبى.

لذلك فإن التدخل التركى فى ليبيا لا يعدو أن يكون مغامرة من مغامرات أردوغان الذى ظهر على المسرح السياسى مبشراً بتصفير المشاكل، وانتهى فى صراعات جعلته يخسر معاقله الشعبية فى تركيا، وخلافات مع محيطه الجغرافى، ودول البحر المتوسط، وأوروبا، وأمريكا، وبالطبع خسارة العلاقات مع الدول العربية المؤثرة مثل مصر والسعودية والإمارات. وعليه، فمن الصعب أن يكون بمقدور أردوغان بناء قاعدة عسكرية فى طرابلس هكذا بكل سهولة، فالأوضاع هناك أعقد مما يحاول أردوغان إظهاره.

والحقيقة أن محاولات أردوغان الفاشلة هذه، فى كل مناطق النزاع التى يتدخل فيها الأتراك، تظهر أنه يعانى أزمة انحسار الحلفاء، حيث أحرق أردوغان الجسور، وبات يحاول تثبيت الإخوان المسلمين فى كل مكان، لأنه فقد المقدرة على صنع حلفاء مؤثرين، عربياً، أو دولياً، وبالنسبة لإيران وروسيا، فإن تعامل أردوغان مع الروس جاء بعد درس صعب لقنه له بوتين بعد إسقاط الطائرة الحربية، بينما التعامل مع إيران فيه حذر شديد، والدليل فشل أردوغان فى سوريا، وفتور علاقته بالعراق. ومن هنا فإن أردوغان فى حفرة، لكنه يواصل الحفر.

                                                             إعلامى سعودى