قاسم سليمانى.. اليد التى قُطعت
هذه مرحلة جديدة من مراحل صراع هذه المنطقة، وليست بالضرورة سيئة، فقط تأمل عزيزى القارئ السطر التالى: الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بقتل قائد فيلق القدس الإيرانى الجنرال قاسم سليمانى فى بغداد قادماً من بيروت! أى من عاصمة ثائرة إلى عاصمة ثائرة أخرى، وكلهم ثائرون ضد إيران.
قاسم سليمانى هذا كان اليد الإيرانية الملطخة بدماء أبناء المنطقة، قتلاً، وتخريباً، وتأجيجاً للطائفية، من بغداد إلى بيروت مروراً بدمشق، وحتى صنعاء، لكن القصة ليست هنا. نعم القصة أكبر.. نحن أمام جملة نقاط متداخلة، وتستحق القراءة بعناية. أولاً، استهداف أمريكا للجنرال الإيرانى يعد أول صفعة أمريكية حقيقية لنظام إيران منذ احتلال السفارة الأمريكية فى طهران بعد ثورة الخمينى! أول صفعة، وليس عقوبات فقط. ومقتل «سليمانى» هذا هو أكبر امتحان حقيقى لأذرع إيران بالمنطقة، الميليشيات الطائفية المسلحة، كيف لا وإدارة ترامب قامت بقتل قائدها «سليمانى»، فالتحدى الآن أمام إيران، ومرشدها، كبير، وحقيقى، فهل يرد على العملية الأمريكية هذه؟ وكيف؟ هل بمستوى قتل سليمانى؟ أم يتجرع المرشد الثانى، السم الثانى، ويبحث عن حلول، وتثبت طهران أن ميليشياتها المسلحة ما هى إلا نمر من ورق؟
وكما ذكرت فى مقالى السابق هنا «المنطقة.. وما بعد الضربة» أنه بعد استهداف أمريكا خمسة مواقع لحزب الله العراقى فى سوريا والعراق، فإن قواعد الاشتباك بالمنطقة بين أمريكا وإيران قد تغيرت، وليس قواعد اللعبة، وهذا الأمر ثابت الآن بعد مقتل قاسم سليمانى، والقصة لا تقف عند هذا الحد، بل إن هذه العملية الأمريكية الضخمة، التى سميت «البرق الأزرق»، تقول لنا إن هناك قراءة جديدة، وجادة، بل مراجعة، فى إدارة «ترامب» تجاه الأوضاع فى العراق، ويبدو أن كثراً لم يفهموها، أو قل لم يأخذوها على محمل الجد، خصوصاً فى العراق وإيران، حيث يبدو أن البعض هناك كان مشغولاً بقراءة ترامب وفقاً لمناكفة الديمقراطيين له، وليس من خلال قراءة ترامب جيداً، والدليل أن إيران، ومن هو محسوب عليها بالعراق، لم يقرأوا جيداً التغريدة اللافتة لترامب، وإن كانت تغريدة، حين كتب بعد استهداف مقار حزب الله العراقى قائلاً: «إلى الملايين من الناس فى العراق الذين يريدون الحرية، والذين لا يريدون أن تسيطر عليهم إيران، أو تتحكم بهم، هذا هو وقتكم»! هذه التغريدة، التصريح، هى أول مراجعة أمريكية حقيقية، على مستوى الرئاسة الأمريكية للمواقف فى العراق، ومنذ عام ٢٠٠٣، وتعنى أن الإدارة الأمريكية الحالية استوعبت الآن أنها قد سلمت العراق إلى إيران.
حسناً، هل هى الحرب إذاً؟ ربما، لكن علينا ألا نتفاجأ، وكما أشرت فى المقال السابق، لو فتحت قنوات خلفية للتفاوض الآن بين واشنطن وطهران، فمقتل «سليمانى» يعد أول دعوة تفاوض أمريكية جادة لإيران، لأن طهران استوعبت الآن أنها أمام طرف لا يبالى، وقادر على أن يذهب إلى حد قطع يدها فى المنطقة، وهذا ما حدث حين قتلت أمريكا قاسم سليمانى، وفى بغداد.
* إعلامى سعودى