لماذا يشبه قاسم سليمانى "كارلا" فى روايات جون لو كاريه؟

لطفى سالمان

لطفى سالمان

كاتب صحفي

(1)

لا أحد بمقدوره أن ينكر الواقع أو يمحو الماضى أو يحجب الحقيقة أو يمنع المستقبل.

بلغة التاريخ، الحديث عن إصلاح منطقتنا، منطقة الشرق الأوسط، يشبه النعى.

برغم الاعتزاز بالهوية، من المؤسف أن تولد فى الشرق الأوسط. مجرد التفكير بأنك مواطن شرق أوسطى، يبعث على اليأس والخوف والانعزال.

هذه سنوات العجز واليأس والانطواء وقلة الحيلة، لكل شرق أوسطى. هذه سنوات وثبتها عرجاء، تمر ولا تمر.

(2)

يقيناً، مقتل قاسم سليمانى سيزيد من التشابكات فى منطقة مؤججة بالصراعات السياسية والمذهبية.

بلغة النهايات، نحن أمام نهاية مأساوية لرجل أرعب العالم لأكثر من ٢٠ عاماً. قاسم سليمانى، لم يكن مسئولاً عسكرياً أساسياً فى مسرح الشرق الأوسط فحسب، كان أيديولوجيا أكثر منه فكرة.

الأيديولوجيا أخطر.. هى تعليب للمعتقد، أى معتقد، خطورتها تكمن فى صعوبة تغييرها، أما الفكرة، فهى بناء لمنهجية تساير حركة التغيير.

صحيح أنه لم يكن لاعباً فى رقعة الشطرنج فى مسارح معارك إيران، لكنه كان المحرك لها كلها. كان أكبر من مجرد قائد عسكرى. كان صورة تجسيدية لإيران الثيوقراطية، لإيران ما بعد الشاه. إيران التى حكمت بدستور الطائفية وعقلية الكهنة المتبتلين الذين عاشوا فى العصور الوسطى.

فى عيون رفقائه ومحبيه، كان الشهيد الحى للثورة. فى عيون أعدائه كان «كارلا» فى ثلاثية الروائى الإنجليزى جون لو كاريه «The Quest for Karla»، التى صدرت فيما بعد بعنوان «Smiley Versus Karla».

بمنهجية جون ديفيد مور كرونويل (جون لو كاريه)، الذى فضل الرواية على العمل الاستخباراتى، كارلا كان ظلاً.. شبحاً.. نموذجاً لرجل الاستخبارات، الذى يتحدث عنه الجميع دون أن يروه، وحين يظهر على السطح عابراً، يبقى صامتاً.

بالمقارنة، «سليمانى» كان كذلك.. ظلاً، خادعاً. هذا الشبح ظل مجهولاً لأعدائه وخصومه لسنوات. صورته عرفت مصادفة فى اجتماع بين مسئولين سعوديين وإيرانيين، رن تليفون أحدهم، خرج حينها من الاجتماع رجل قصير القامة، يلبس خاتماً مميزاً، ظن أنهم يصورونه، وحين سأل السعوديون عن هذا الفزع؛ رد الإيرانيون بحدة: لماذا تصورون قاسم سليمانى؟، فابتسم بندر بن سلطان قائلاً: أخيراً عرفناه.

تأثير «سليمانى» تجاوز العسكرية واللعب فى مسارح التمزيق الدولاتى فى المنطقة، ووصل للسينما الأمريكية، التى اقتبست جملته: «أمريكا أكبر عصابة فى العالم»، فى الفيلم الأمريكى الشهير «All Eyez on Me»، بطولة دميتريوس شيب جونيور، وتأليف جيريمى هافت وستيفن باجاتوريان، وإخراج بينى بوم، إنتاج 2017.

(3)

بتعبير ديفيد جاردينر، فى الفايننشيال تايمز، تعليقاً على مقتل «سليمانى»: «سيكون من الصعب منع دائرة الانتقام والهجمات المضادة، التى من المؤكد أنها ستخرج إلى العلن مع مخاطر حرب شاملة».

فى اعتقادى، وبالنظر لبيانات الوعيد الإيرانية الصادرة حول مقتل سليمانى، طهران لن تدخل معركة مع أمريكا بمنهجية «All in one». على الأرجح الرد الإيرانى لن يكون بحجم مصابها.

حتماً طهران سترد، رغبة فى إثبات الوجود أو التأكيد على هذا الوجود، لكن الرد سيأتى فى سياقات الاقتصاد الإيرانى العاجز والصراعات الداخلية المكتومة.

(4)

فى مسرح المنطقة، مقتل سليمانى سيعيد الاحتجاجات الشعبوية، لمربع الطائفية، وبدلاً من المطالبات بنداءات التغيير، ستعود نداءات الاصطفاف المذهبى.

(5)

فى العقلية الأمريكية، أو بالتحديد فى العقلية الترامبية، مقتل سليمانى يتجاوز المصالح الأمريكية فى العراق أو الشرق الأوسط عموماً، لما يمكن توصيفه بإعادة تعبئة اليمين الترامبى، التى كان عليها وقت الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

مقتل سليمانى، فيتو من الترامبية وما تمثله تجاه خطوات العزل الديمقراطية للرئيس الأمريكى، لكنه مرهون بمدى تعرض المواطن الأمريكى للخطر أو التهديد الإيرانى.