المرحلة الثالثة.. الفوضى المومأسسة
ننتقد، وغيرنا، عن حق، سنوات أوباما الثمانى فى منطقتنا، حيث الشعارات المزيفة، وهو الرجل الذى نال نوبل للسلام دون إنجاز، فقط كونه فكرة مناقضة لجورج بوش «الابن»، صاحب الحربين، الذى بشرت مرحلته بفكرة الفوضى الخلاقة، لكن القصة أكبر.
نعم أكبر، وأخطر، لأن فكرة الفوضى الخلاقة بمنطقتنا تطورت وتحولت إلى الفوضى المومأسسة. فكّر بها عزيزى القارئ كالتالى: الفوضى نتاج طبيعى لغياب القوانين الواضحة، والملائمة لكل مجتمع. الفوضى نتاج طبيعى عندما يكون لكل فريق عَلم، ومحطة تليفزيونية، وميليشيا، وطائفة، أو دولة خارجية يستقوون بها، وهو ما يعنى نهاية مفهوم الدولة، وليس التعددية، أو الديمقراطية. والإشكالية هنا هى كيف تنظر منطقتنا لما يحدث، وكيف تقيّمه، وكيف ينظر الغرب لذلك ويقيمه؟ ولاحظ فى السياسة، أو الفكر، والثقافة، وإن لعب الحظ فى تقاطعات تاريخية، فإنه لا حظ. لكن من حظنا وجود رئيس مثل دونالد ترامب، فلا هو بالمؤدلج، ولا هو بصاحب الأجندة السياسية. أى لا هو أوباما، ولا هو بوش. ترامب ليس بوش الذى غزا العراق انتقاماً، ولا هو الذى يصدق أن حاكم غزة سيهتم بنفايتها أكثر من اهتمامه بالتحالفات مع إيران، كما فعل بوش، الذى فرض انتخابات انتهت بسيطرة حماس على غزة، دون جولة انتخابية أخرى! وبوش هو أول من وهب الأمل لجماعات الإسلام السياسى، سُنة وشيعة بمنطقتنا، رغم أنه أول رئيس أمريكى شن حرباً على العراق، العروبى، وأفغانستان، مدعية الإسلام السياسى بنهج رجعى متطرف! وترامب ليس أوباما الذى صدق، أيديولوجيا الإخوان المسلمين، من أردوغان إلى باقى إرهاصات ما عُرف بالربيع العربى. ترامب رجل يتعاطى مع تقاريره اليومية، ووفق الحدث، وسيان كان هذا الأمر جيداً، أو سلبياً، فتلك قصة أخرى، فهذا رجل يرى أن أمريكا أولاً. حسناً أين هى الإشكالية؟
الإشكالية أن فى منطقتنا من يقتات على الأزمات، ويرى أنها فرصته للوصول للحكم، أو الوجود السياسى، وهنا تبرز جماعات الإسلام السياسى، «الوفاق» فى ليبيا، و«أردوغان» التركى صاحب الطموح الإخوانى، العثمانى، أضف لهما إيران الجنون السياسى والعسكرى، حيث يحلو للبعض، وحتى الديمقراطيين فى أمريكا، أن يتحدثوا عن قوة إيران، رغم أنها، وبعد مقتل قاسم سليمانى، قامت، وليس فى لحظة جنون، بل فى تخلف تقنى وعسكرى بضرب طائرة أوكرانية بالخطأ، لأنها، أى طهران، قوة متخلفة، وليست قوة ذات نتاج تطور طبيعى، وإنما نتائج الفوضى.
ما المقصود من ذلك؟ المقصود هو أننا تجاوزنا مرحلة الفوضى الخلاقة، التى أسقطت صدام، مروراً بمرحلة الفوضى المفاجئة، أى الربيع العربى، وصولاً إلى مرحلة الفوضى المومأسسة، ونشهدها فى العراق، حيث ينأى الرئيس بنفسه، ويتحرك رئيس الوزراء المستقيل، ويرتبك رئيس البرلمان، صوت الشعب، ويصبح مقتدى الصدر العقلانى، وهو المتأرجح! وفى تركيا، حيث يتحول أردوغان القمعى إلى غاز لسوريا، ومحتل عثمانى، إخوانى لليبيا، بينما نجد لبنان كل المكونات يقفز على «غصن»! إنها المرحلة الثالثة للفوضى، وهى مرحلة الفوضى المومأسسة، وتحتاج للمرحلة الثالثة من التصدى الذى تنبه لأخطاء غزو بوش للعراق، وأخطاء أوباما الربيع العربى. احذروا الفوضى المومأسسة الآن من قِبل أردوغان، وإيران.