حلب والإيجور.. الحرب دون سلاح!!

تجربة قاسية لم أنسها قط؛ تلك التى تعرضت لها حين قررت أن أبحث على مواقع التواصل الاجتماعى عن حقيقة ما يحدث فى حلب وقت أن اشتدت تلك الحملة الشهيرة «أنقذوا حلب».. والتى أغرقت مواقع التواصل الاجتماعى منذ سنوات قليلة إبان دخول الجيش السورى المدينة لمواجهة جيش النصرة.

كان السؤال الذى طرحته وقتها حول حقيقة ما يحدث فى تلك المدينة بمثابة الشرارة التى أشعلت النيران من حولى.. مئات التعليقات التى اتهمتنى بانعدام الإنسانية والقسوة.. وكأننى بمحاولة المعرفة -دون الاعتماد على سياسة القطيع السائدة على مواقع التواصل- قد ارتكبت جرماً يستحق العقاب الرادع.. أذكر أن صديقاً أعرفه بشكل شخصى قد أرسل لى سباباً من النوع الفاخر مفاده أننى فقدت أخلاق الإسلام.. وأننى أقترب من الإلحاد بشكل كبير وينبغى أن أراجع نفسى سريعاً!!!

الطريف أن البحث قد أسفر عن مفاجأة، وإن كانت متوقعة.. فالآلاف من الصور التى لا تنتمى للوطن العربى بأكمله يتم نشرها على أنها «من حلب منذ ساعات».. وملايين التعليقات التى تلعن الجيش السورى وتدّعى أنه يغتصب النساء ويقتل الأطفال -وكأنه جيش التتار حين اجتاح بغداد وليس جيشاً وطنياً يحاول استعادة السيطرة على «جزء» من ذلك الوطن- كان مصدرها لجان إلكترونية تكرر التعليق فى كل منشور بانتظام شديد!

انكشف الأمر بعد عدة أسابيع حين خرج أهل حلب أنفسهم ليحكوا كيف أنقذهم جيشهم مما كان يقوم به جيش النصرة أثناء سيطرته على المدينة.. وقتها اكتمل اليقين بداخلى أن كل ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعى لا يتم بالصدفة أبداً!

لقد كان ذلك الموقف الفارق سبباً فى أن أتوقف عن تصديق كل ما يكتب على مواقع التواصل إلا بعد التأكد من المعلومة أولاً.. وأن يصبح الشك هو القاعدة التى أتعامل بها مع كل ما ينشر!

الأمر يتكرر كل فترة.. دائماً هناك تلك الحملة التى تنتشر سريعاً بين مرتادى مواقع التواصل.. دائماً هناك ما نتعاطف معه أو نهاجمه أو نشجبه.. دائماً هناك ذلك «الهاشتاج» الذى يصبح «تريند» فى أيام قليلة.. وتتغير به صور الحسابات الشخصية للتعبير عن التضامن.. فما زلت أذكر تلك الحملة التى تمت بشأن قتلة الشاب - شهيد الشهامة - محمود البنا.. ومحاولات التشكيك فى أعمار المتهمين التى ستحميهم من عقوبة الإعدام!! حتى أتت حملة إنقاذ مسلمى الإيجور مما تفعله بهم حكومة الصين منذ أيام قليلة!

لقد انتشرت تلك الحملة كالنار فى الهشيم فى فترة قصيرة.. وبدأت القصص عن تعذيب حكومة الصين لمواطنى هذا الإقليم تملأ الصفحات التى لا نعلم مصدرها دون سابق إنذار.. وكأن الأوامر قد صدرت للجميع أن يقودوا العالم الافتراضى فى اتجاه معين.. أو أن الأمر اختبار لقوة هؤلاء الذين يقودون العالم الافتراضى فى اتجاه معين لبيان استمرار قدرتهم على القيادة من عدمه.. ولكن الجديد هذه المرة أن الحملة قد توقفت فجأة بعد التوتر الذى شهدته المنطقة.. وبعد محاولات الأحمق التركى التدخل فى ليبيا عسكرياً وتهديده للأمن القومى المصرى.. فانقلبت الحملة -من الصفحات نفسها- لدعم التوجهات التركية بشكل سافر.. وللتشكيك فى القيادة المصرية وقدرتها على اتخاذ القرار السليم بشأن الأزمة.. وهو ما كشف الأمر للكثيرين بشكل كبير!

لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى إحدى وسائل حروب الجيل الرابع التى يجهل العامة الكثير من أساليبها.. والتى يجيدها العدو الإخوانى ببراعة شديدة.. والتى ينبغى أن يدرك الجميع خطورتها على تماسك المجتمع وعلى الاصطفاف الوطنى فى وقت الأزمات.

هى حروب أخطر بكثير من المواجهة العسكرية.. ولكن دون سلاح!!