إدمان المذكرات والملازم الجامعية.. الأسباب والعلاج

فى نهايات القرن الماضى بدأت بعض المكتبات فى المناطق المجاورة للجامعات المصرية -مثل منطقة بين السرايات المجاورة لجامعة القاهرة ومنشية الصدر المجاورة لجامعة عين شمس- فى طباعة وبيع ملازم وملخصات لمقررات دراسية جامعية، وخاصة مقررات الكليات المكتظة بأعداد كبيرة من الطلاب. وخلال العقد الحالى استمرت هذه المكتبات فى الانتشار، وتضاعفت أعدادها، خاصة حول الجامعات الكبيرة، وزاد الإقبال على المذكرات والملازم المطبوعة بها لدرجة غير متصورة، وأدمن كثير من طلاب الجامعات تعاطيها، وخاصة أوقات الامتحانات. ولم تكتف هذه الكيانات بالتجارة فى مثل هذه المطبوعات، ولكنها أصبحت أيضاً وكراً للدروس الخصوصية والمراجعات النهائية قبل الامتحانات، بل وامتد مجال عملها إلى المساهمات غير القانونية فى إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه لطلاب الدراسات العليا.

وفى الحقيقة فإن ما تقوم به هذه الكيانات من أنشطة مخالفة للقانون يُعد من أكبر المعوقات التى تعوق عملية تطوير التعليم الجامعى فى مصر، فتطوير التعليم يتطلب الاعتماد على أنماط من التعلم تهدف إلى تعزيز وتنمية مهارات التفكير لدى الطالب بأشكالها وأنواعها المتعددة، مثل مهارات التفكير النقدى وحل المشكلات واكتساب المعرفة من خلال البحث عن المعلومة من مصادرها المختلفة، أما نمط التعلم من المطبوعات التى تصدرها هذه الكيانات فهو نمط يؤدى إلى تكوين عقول منغلقة بعيدة كل البعد عن البحث والمناقشة والتفكير. هذا بالإضافة إلى كم الأخطاء العلمية التى تحتويها هذه المطبوعات، فغالباً من يقوم بمساعدة هذه المكتبات فى إعدادها هو إما طالب من الطلاب فى الكلية أو أحد خريجى الكلية أو عضو من أعضاء الهيئة المعاونة بها، وهم فى الغالب أشخاص غير مؤهلين لكتابة منشورات تعليمية بطريقة علمية ومنهجية سليمة.

ويمكن للقائمين على التعليم فى مصر رصد أربعة أسباب رئيسية لتفشى ظاهرة اعتماد الطلاب على الملازم والملخصات فى عملية التعلم.. السبب الأول هو تعود الطلاب قبل مرحلة التعليم الجامعى على ارتياد مراكز الدروس الخصوصية والاعتماد الكامل على الملازم والمذكرات التى تصدرها هذه المراكز كبديل للكتاب المدرسى وتعويضاً عن حضور الدروس فى المدارس، وبالتالى يكون من الصعب تعويدهم عندما يلتحقون بالجامعة على نمط تعلم مختلف يعتمد على البحث فى المراجع والمصادر المختلفة عن المعلومات المرتبطة بموضوعات المقرر ومن ثم تنمية مهارات التعلم الذاتى لديهم. والسبب الثانى هو الزيادة المطردة فى أعداد الطلاب الحاصلين على شهادة الثانوية العامة بسبب الزيادة السكانية المهولة وشكوى الجامعات من زيادة أعداد طلابها فى الكليات فوق الأعداد المخصصة من قبَل مجالسها، مما يتسبب فى تكدس الطلاب بالمحاضرات لدرجة أن عدد الطلاب فى محاضرات بعض الكليات النظرية يتجاوز الآلاف، وهو ما يحرم الطلاب من التعلم بطريقة مناسبة فى المحاضرة وبالتالى يلجأون إلى الملازم والملخصات التى تصدرها هذه الكيانات عوضاً عن حضور المحاضرات. أما السبب الثالث فهو اعتياد كثير من أساتذة الجامعات على وضع أسئلة تقليدية فى امتحاناتهم تعتمد أكثر على قياس الحفظ والاسترجاع وتبتعد كثيراً عن الأسئلة التى تقيس مهارات التحليل والفكر الإبداعى عند الطالب، وهو ما يسهّل عمل هذه المكتبات فى إعداد مذكرات وملازم تتناسب مع هذه النوعية من الأسئلة. أما السبب الرابع والأخير فهو الوضع الاقتصادى المتدنى للفئات التى تساعد هذه المكتبات فى إعداد مطبوعاتها وضعف رواتب أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة بالجامعات.

أدّعى أنه لن يكون هناك تطوير حقيقى لمنظومة التعليم العالى فى مصر دون اجتثاث هذه الظاهرة من جذورها والعمل على معالجة الأسباب التى تؤدى إلى انتشارها. فلابد من إعادة النظر فى منظومة التعليم قبل الجامعى، وخاصة مرحلة الثانوية العامة التى يتزايد فيها استخدام الطلاب للملازم والملخصات، ونأمل أن تكون القرارات التى اتخذتها وزارة التربية والتعليم فى الأعوام الأخيرة من الاعتماد على التكنولوجيا فى التعليم وتطوير منظومة الامتحانات خطوات فى الاتجاه الصحيح، كما أنه من المهم جداً العمل على الحد من قبول طلاب الثانوية العامة ببعض الكليات، وذلك بإنشاء جامعات جديدة وكليات مناظرة فى الجامعات الموجودة بالأقاليم لاستيعاب الأعداد المتزايدة من طلاب الثانوية العامة، ويجب إعادة النظر فى الطرق التقليدية للامتحانات، وخاصة فى الكليات النظرية التى يعتمد أغلبها على أسئلة تقيس الحفظ والاسترجاع، وأيضاً إعادة النظر فى الرواتب المتدنية لأعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة وتحسين وضعهم الاقتصادى سداً للجوء لهذه الكيانات وتجفيفاً لمنابع إمدادها بصغار الأكاديميين.