بورسعيد التى أحبها

سمير عمر

سمير عمر

كاتب صحفي

كثيرة هى زياراتى لمدينة بورسعيد، لكننى قبل أن أزورها حقاً كنت قد سافرت إليها بخيالى مرات عديدة.

كنت طفلاً يفرح كما يفرح الأطفال بالملابس الجديدة، والملابس الجديدة تأتى فى الغالب من بورسعيد التى يقصدها والدى سنوياً فى رحلة تنظمها الشركة التى عمل بها لسنوات طويلة.

كنت أسهر لما بعد منتصف الليل، انتظاراً لعودة والدى من تلك الرحلة، وفى ساعات الانتظار أتخيل ما سيحمله لى، أنا الطفل المدلل من جميع أفراد العائلة، ويجب أن يكون لى النصيب الأكبر من حقيبة سفره.. كانت أيام..

كبرت ولم تعد تلك المدينة بالنسبة لى مجرد حقيبة سفر، بل صارت «رمزاً للوطنية، ورمزاً للبسالة، ورمزاً للتضحية، ورمزاً لكفاح الشعوب، ورمزاً لهزيمة الدول الكبرى، ورمزاً لهزيمة المستعمرين»، هكذا تحدث الزعيم جمال عبدالناصر بصوته الرنان عن بورسعيد التى لقّنت ببسالة أبنائها دول العدوان الثلاثى درساً قاسياً «وانتصرنا ولسه عارهم ذكرى ف تراب بورسعيد».

لم تعد مجرد «حقيبة سفر»، بل صارت «صندوق ذكريات ملهمة» لمرحلة مهمة فى تاريخنا الوطنى.

لم تعد مجرد «حقيبة سفر»، بل صارت «معضلة من معضلات عصر الانفتاح»، الذى حوّل المدينة الباسلة إلى منطقة حرة تتسع ساحاتها لبضائع من مختلف بلدان العالم، وفى تلك الساحات تتغير سلوكيات أبناء المدينة ويتبدّل النسق القيمى الحاكم لطبائعهم الراعى لطموحاتهم.

كانت بورسعيد هى المرآة التى عكست ما شهده المجتمع المصرى من تغيرات جذرية فى عصر الانفتاح فى عهد الرئيس السادات، والسنوات التى تلته فى عهد الرئيس مبارك، تماماً كما كانت هى الساحة التى تأثرت أكثر من غيرها بسنوات ما بعد التغيير الثورى الذى شهدته مصر يناير 2011.

تحرّكت هذه الذكريات، وتلك السنوات، بحلوها ومرها، كشريط سينمائى أمام عينى وأنا فى طريقى هذه المرة إلى مدينة بورسعيد لتسجيل حلقة من برنامجى «أهل مصر»، ولقاء المحافظ المقاتل السيد عادل الغضبان.

لم تعد بورسعيد كما كانت، فهى ليست بورسعيد سنة 1956، وما دار فيها من بطولات، وهى أيضاً ليست بورسعيد سنة 1977، وما تلاها من تغيرات، وهى قطعاً ليست بورسعيد سنة 2011، وما أعقبها من عثرات..

هى غير كل هذا، وهى كل هذا أيضاً..

تقول المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد عن بورسعيد: عندما أسير فى بورسعيد أشعر بأن رأسى يتجاوز السحاب، لأننى أسير على أرض الأبطال.

وفى بورسعيد الحالية قبس من نور هؤلاء الأبطال، وبين ظهرانيها تعيش من لُقبت بجميلة بوحيرد بورسعيد، إنها المناضلة «زينب الكفراوى»، أول فتاة تنضم للمقاومة الشعبية فى بورسعيد أثناء العدوان الثلاثى.

اشتعل رأس زينب الكفراوى شيباً، وهاجم جسدها الرياضى المرض، لكنها لا تزال حاضرة الذهن صافية القلب نقية الروح.

تتذكر زينب الكفراوى جيداً تفاصيل اشتراكها ورفيقاتها فى أعمال المقاومة، وتزين صالة منزلها البسيط دروع وأنواط التكريم على عملها الفدائى النبيل.

إذا ذهبتم إلى بورسعيد، فعليكم المرور بساحة الشهداء، ففيها هذه الروح التى خلّدت بطولات أبناء وبنات تلك المدينة الباسلة، وبها متحف النصر، الذى يضم صفحات خالدة من تاريخها.

تستلهم بورسعيد الحديثة روح المدينة الباسلة، وتنفض عن نفسها أعباء سنوات تحملت وأبناؤها خلالها الكثير من الصعاب.

بورسعيد الحديثة هى المدينة النموذجية التى تستهل بها مصر تجاربها الجديدة، فالمدينة أصبحت خالية من العشوائيات، ومنظومة التأمين الصحى الشامل بدأت هناك، وإجراءات ميكنة الخدمات الحكومية ورقمنتها أصبحت واقعاً يلمسه أبناؤها، أما الأسواق العشوائية ففى طريقها إلى الزوال، لتحل محلها أسواق نموذجية صارت مضرب الأمثال.

وفى بورسعيد الحديثة، لا تتوقف ماكينات الإنتاج عن الدوران، وما كان يشتهر به أبناؤها من التجارة والشطارة سيصبح جزءاً من التاريخ، فالمناطق الصناعية تتسع يوماً بعد يوم لتفتح أمام الجميع أبواب رزق جديدة تستوعب ما ترتب على إجراءات ما بعد المدينة الحرة، وفى قلب تلك التغيرات يقف حقل ظهر للغاز ومصانع زيت الطعام وأوانى الطهى وإطارات السيارات وغيرها من المصانع الكبرى، لينقل المدينة من خانة الاستيراد إلى مربع التصدير.

ما شهدته هذه المرة فى بورسعيد يعيد الاعتبار إلى تلك المدينة الباسلة، ويفتح أبواب المستقبل أمام أبنائها، ويعبد الطريق أمام الجيل الجديد، الذى سيكون فخوراً بكل تأكيد بما قدمته المدينة على مدار تاريخها.