أمة فى خطر

«أمة فى خطر» عنوان لتقرير صدر عن حال التعليم فى الولايات المتحدة فى بداية ثمانينات القرن الماضى، أستعيره عنواناً لهذا المقال لأعبر عن بعض ذكرياتى التى تتعلق ببعض ما آل إليه حال التعليم قبل الجامعى فى مصر؛ حيث كنت فى مهمة علمية بالولايات المتحدة فى بداية الألفية الثالثة، وكنت فى ذلك التوقيت من المدخنين، وخرجت ذات يوم لأشترى علبة سجائر، لكنى للأسف لم أجد ضالتى؛ فكل المحلات التى تقع فى نطاق الحى الذى أسكن فيه كانت صغيرة ولا تبيع السجائر؛ وعلمت فى ما بعد من أصدقائى أن السجائر لا تُباع إلا فى المحلات الكبيرة، ومعظمها -إن لم تكن كلها- تكون خارج المدينة.

تذكرت هذه الواقعة عندما شرفت بتولى حقيبة وزارة التربية والتعليم فى عام ٢٠١٥؛ حيث رأيت فى ذلك التوقيت بعد دراسة مستفيضة مع خبراء التربية من الجامعات ومراكز البحوث التربوية أن حال التعليم قبل الجامعى لا يمكن البدء فى إصلاحه إلا بعودة المعلم والمتعلم إلى المدرسة، ثم الحديث بعد ذلك عن باقى عناصر الإصلاح من إعداد معلمين وقيادات إدارية، وتطوير مناهج وبرامج، وإعادة الأنشطة، وتوظيف للتكنولوجيا فى التعليم والتدريب والامتحانات والتقويم، وغير ذلك، ومن ثم أصدرت قراراً بتخصيص ٧ درجات لحضور الطالب و٣ درجات على انضباطه السلوكى، فى ظل قواعد قانونية وإلكترونية محكمة تضمن حقوق الطلاب وعدم التلاعب فى كشوف الحضور والغياب، وتم تطبيق القرار لمدة خمسة وأربعين يوماً، وجاء بنتائج مبهرة؛ حيث تحقّق الحضور فى الصف الثالث الثانوى بنسبة وصلت إلى ٩٤% فى محافظتى القاهرة والجيزة و٩٨٪ فى باقى المحافظات.

والحقيقة أننى لست فى هذا المقال بصدد الحديث عن هذه التجربة، أو تقييمها وذكر محاسنها، لكننى بصدد الحديث عن واقعة أبعد ما تكون عن الخيال، صاحبت هذه التجربة وذكّرتنى بما حدث وقت أن كنت فى الولايات المتحدة ولم أجد محلاً داخل المدينة يبيع السجائر؛ ففى أثناء فترة تطبيق هذا القرار، تظاهر بعض الطلاب والمعلمين، وأولياء الأمور، وأصحاب مراكز الدروس الخصوصية، وجاءت مجموعة محدودة يُفترض أنها منهم أمام بوابة ديوان عام الوزارة، وتصادف قدوم أحد أساتذة الجامعة للمشاركة فى إحدى اللجان بمكتبى، ومر من وسط هؤلاء المتظاهرين ودخل الوزارة، وعندما وصل إلى مكتبى همس فى أذنى، وقال: «لاحظت بين المتظاهرين أمام باب الوزارة أناساً مناظرهم لا تنم أبداً عن كونهم معلمين، أو أولياء أمور «أناساً لهم شكل مختلف»، ومن ثم أصدرت تعليماتى لمسئول الأمن بالديوان باستطلاع الأمر والإفادة، وجاءنى ما لم أكن أبداً أتوقعه؛ حيث اتضح أن معظم هؤلاء المتظاهرين من عمال المقاهى وأصحابها.

وعندما سألناهم: لماذا تتظاهرون ضد إعادة الطلاب إلى المدارس؟!، هل أنتم معلمون؟!، هل أنتم أولياء أمور؟! هل لكم علاقة بوزارة التربية والتعليم من أى نوع؟! أجابوا عن كل الأسئلة بالنفى، وأفادوا بأن سبب تظاهرهم يعود إلى أن غياب الطلبة من المدارس قد رفع دخول المقاهى إلى ما يقارب ٢٠٠٪ لأنها أصبحت تعمل ٢٤ ساعة بدلاً من ست أو سبع ساعات يومياً، وأن عودتهم للمدارس معناها أن العمل بالمقاهى لن يبدأ فعلياً إلا بعد الثالثة عصراً، وسينتهى فى الحادية عشرة مساءً، مما سيُسبب لهم خسارة مادية كبيرة، لذلك جاءوا يتظاهرون رفضاً للقرار!!

وفى ظل هذا الوضع المعكوس، وما أفرزه من مخرجات، لم أتعجب أبداً عندما قرأت على مواقع التواصل أن رئيس مجلس مدينة اكتشف مقهى معظم نزلائه من طلاب المدارس الإعدادية الذين تتراوح أعمارهم من ١٣ - ١٥ سنة، تركوا مدارسهم وذهبوا ليشربوا الشيشة!!، ولا عندما قرأت عن طالب جامعى تجرّأ ودخن سيجارة داخل المدرج أثناء محاضرة كان يلقيها عميد كليته التى يُفترض أنها تعلم القانون واحترام الآداب العامة، ولا أيضاً عندما علمت أن تلميذة تطاولت على أستاذها داخل مدرج الدرس بالجامعة، قائلة له «والله لأوريك!!»، ولا حتى أخيراً عندما حاول طالب جامعى غشّاش قتل أستاذه بمسدس وجركن بنزين؛ فهؤلاء جميعاً يمثلون نواتج طبيعية لنظام التعليم قبل الجامعى الذى بأنفسنا صنعناه.

يا أحبائى فى وزارة التربية والتعليم وغيرها، نحن بهذا الشكل أصبحنا أمة فى خطر، والحل هو عودة العملية التعليمية إلى المدارس مثلما هو موجود فى كل بلاد الدنيا؛ ولا بد أن نكف عن المكابرة ونُقِر بأن حال التعليم لن ينصلح إلا بعد عودة الطلاب والمعلمين إلى مدارسهم، وممارسة عملية تعليمية حقيقية، ويمكن بعد ذلك أن نطور أو نحسّن فيها، سواء بالبوكليت أو بالتابلت أو بغيرهما.. حفظ الله مصر شعباً وجيشاً وقيادة، وجعلها دائماً فى أمن وأمان وتقدم وازدهار.