أبوزعبل: حرائق المخلفات ليل نهار.. والأهالي: انقلوا المقلب إلى صحراء الخانكة
أبوزعبل: حرائق المخلفات ليل نهار.. والأهالي: انقلوا المقلب إلى صحراء الخانكة
- مقلب قمامة أبوزعبل
- مقلب قمامة
- المقالب الشعوائية
- مقالب القمامة العشوائية
- مقالب القمامة
- مقلب قمامة أبوزعبل
- مقلب قمامة
- المقالب الشعوائية
- مقالب القمامة العشوائية
- مقالب القمامة
أصبحت عبارة عن سلسلة جبال ضخمة تتراكم عليها كافة أنواع المخلفات، وروائح كريهة نفاذة تنتشر فى الأرجاء، وكلما اقتربت أكثر من المناطق المُحيطة بمقلب قمامة «أبى زعبل»، التابع لمركز ومدينة الخانكة بمحافظة القليوبية، تجدها بأكملها أشبه بالمناطق المعزولة من حيث الخدمات أو وسائل المواصلات، هادئة بعض الشىء إلا من أصوات سيارات النقل المُحملة بأكوام القمامة، أشجارها تبدو وكأنها ماتت نتيجة الغبار والأدخنة التى تنبعث من ذلك المقلب العشوائى الذى يُصب فيه من مناطق مختلفة داخل وخارج المحافظة، حتى يتضرر منها أهالى المناطق السكنية المجاورة له، وهى «مساكن الثروة المعدنية، عرب العليقات، عرب جهينة، عرب الصوالحة»، يحلمون باليوم الذى يتم فيه تنفيذ قرار نقله خارج تلك المنطقة إلى مكان آخر بعيداً عنهم.
"أمل": "عيالى الاتنين عندهم حساسية فى صدرهم بسبب الدخان اللى بيطلع من حرق القمامة"
فى الشارع المواجه لمدخل المقلب، كانت أمل عبدالحميد، 45 عاماً، ربة منزل ومن أهالى المنطقة، تسير عائدة إلى منزلها الموجود بنفس الشارع أيضاً، مرتدية عباءتها السوداء، تسكن «أمل» فى تلك المنطقة منذ 24 عاماً حينما تزوجت، توضح أن المقلب يرجع تاريخ وجوده فى ذلك المكان إلى ما يقرب من 18 عاماً، وأن تلك المنطقة سُميت بـ«الثروة المعدنية» نسبة إلى الشركة التى كانت تُصنع البازلت الذى يتم من خلال تسوية الأرض بالأسفلت، قائلة بنبرة غاضبة: «إحنا ساكنين فى وش المقلب بالظبط، ومن أول الناس اللى الريحة بتدخل لهم البيت، وعندى عيالى الاتنين عندهم حساسية فى صدرهم من وهما صغيرين بسبب الدخان اللى كان بيطلع من حريق الزبالة اللى فيه، وريحتها والدخان ده مش بتطلع أصلاً من البيوت عندنا خالص».

لا تستطيع «أمل» فتح شبابيك الشقة أو باب المنزل نتيجة الروائح والأدخنة الناتجة عن المقلب، وفقاً لحديثها، مضيفة: «السلم فى البيت عندى رخام ومتغطى كله بالتراب بتاع الزبالة دى كأن الواحد راشش بودرة على السلم»، مشيرة إلى أنها تُعانى من كثرة الفئران بأحجامها الضخمة غير الطبيعية، إلى جانب كثرة القطط والكلاب الضالة: «ببقى مكسوفة جداً لما بيجيلنا ضيوف فى البيت بسبب ريحة الزبالة دى، وبرش طبعاً معطر الجو بس ريحة الزبالة والقذارة دى بتبقى أقوى من المعطر».
المنظر فى المناطق المُجاورة لمقلب «أبى زعبل» غير حضارى ولا صحى، كما أن الروائح المنبعثة من خلاله أثرت على السكان نفسياً وصحياً، وفقاً لـ«أمل»، موضحة أن أهالى المنطقة قطعوا الطريق أكثر من مرة وأحرقوا إطارات السيارات من أجل منع سيارات النقل من الدخول إلى المقلب، متابعة: «كان المسئولين عن المقلب دايماً يحاولوا يهدّونا بأنه شهرين وهيتقفل المقلب لكن ده للأسف مش بيحصل خالص، وكل الكلام اللى كان قبل كده عن نقل المقلب مش حقيقى»، مؤكدة أنهم تقدموا بالكثير من الشكاوى من أجل وقف العمل بالمقلب ولكن دون جدوى.

تتمنى «أمل» أن تصدق الحكومة فى تلك المرة ويتم بالفعل نقل المقلب من تلك المنطقة لأخرى بعيدة عن المناطق السكنية، مؤكدة أن بعضاً من الأهالى القادرين مادياً هربوا بعيداً عن المنطقة من أجل الحفاظ على سلامتهم وسلامة ذويهم، وأن كل من يجد الفرصة أمامه لمغادرة المنطقة لا يتردد، قائلة بنبرة حزينة: «إحنا فى المنطقة هنا مقطوعين عن العالم الخارجى، والميزة الوحيدة فى عربيات الزبالة إنها بتخرجنا على الشارع بره لأن مفيش أى وسائل مواصلات بتعدى من هنا».
وداخل المنطقة السكنية المواجهة لمقلب «أبى زعبل»، والتى لا يزيد بها عدد منازلها البسيطة عن طابقين بأقصى تقدير، كان مصطفى داود، 35 عاماً، ويعمل سائقاً فى أحد مصانع الأسمدة، يقف أمام منزله برفقة أفراد أسرته، عائلة «مصطفى»، موجودة منذ عام 1940، عندما جاء جده إلى تلك المنطقة للسكن بها، إلى أن وُلد وتزوج بها «مصطفى» أيضاً، موضحاً أن ذلك المقلب موجود منذ عام 1998 تقريباً، وكان يتم به حرق أكوام القمامة داخل المقلب نفسه، وكان يضم كافة أنواع المخلفات المُضرة بصحة الأهالى، من ضمنها النفايات الطبية والحيوانات النافقة.
"مصطفى": "أى حد بيفكر يسكن هنا ويشوف الحياة اللى عايشينها بيستغرب.. ومستنيين قرار نقل"
كثرة الحرائق سمة أساسية داخل مقلب أبى زعبل، والتى تشتعل جراء تراكم المخلفات مع حرارة الشمس، وفقاً لـ«الرجل الثلاثينى»، متذكراً واحدة من تلك الحرائق التى نشبت داخله ووصلت ألسنة اللهب والأدخنة إلى منازل الأهالى المواجهة له، فى وقتها ترك الأهالى المنازل واتجهوا نحو منازل ذويهم فى المناطق المجاروة لحين إطفاء الحريق، قائلاً: «عربيات المطافى خدت وقت طويل فى اليوم ده عشان تقدر تطفى الحريقة، وكانت عربيات الإسعاف بتسعف الأهالى بأنابيب الأوكسجين عشان الدخان اللى كان موجود فى كل مكان»، مؤكداً أن شباب المنطقة حاولوا بطرق مختلفة أن يصل صوتهم إلى المسئولين ولكن لم ينقذهم أحد حتى الآن.

هناك الكثير من الأهالى المُصابين بأمراض صدرية، وشخصان توفيا مصابين بمرض الربو نتيجة الأدخنة الناتجة عن حرق القمامة داخل المقلب، حسب حديث «مصطفى»، قائلاً: «كل الطرق هنا مليانة بالقمامة اللى بتطير مع الجو والرياح وبتنقلها وتوزعها فى الشوارع، وبنقفل كل الأبواب والشبابيك عشان صدر العيال الصغيرة»، مشيراً إلى أن الحشرات الطائرة تظهر مع اقتراب موعد المغرب يومياً: «ده مش بيرحم لا صغير ولا كبير، والناموس هنا بيقرص الواحد مننا ونفضل نهرش لدرجة التورم».
هناك الكثير من البيوت فى المناطق المجاورة للمقلب مغلقة تماماً بعدما هجرها الأهالى الذين لم يستطيعوا العيش فى ذلك المكان، وفقاً لـ«مصطفى»، متابعاً بنبرة حزينة: «أى حد بيفكر ييجى يسكن هنا ويشوف المنظر والحياة اللى عايشينها يستغرب إحنا عايشين فيها ومستحملينها إزاى»، مؤكداً أن ذلك المقلب تأتى إليه القمامة من مناطق كثيرة، وهناك مناطق عديدة متضررة بسببه منها عرب العليقات وعرب الصوالحة، مع مساكن الثروة المعدنية، ويُطالب «مصطفى» بسرعة تنفيذ قرار نقل المقلب خارج مركز الخانكة: «مستنين تنفيذ القرار ده النهارده قبل بكرة».
بعباءتها السوداء تقف عبير محمد، 46 عاماً، من أهالى مساكن الثروة المعدنية، على مدخل أحد المنازل، تسكن بتلك المنطقة منذ ما يقرب من 30 عاماً، حيث تزوجت وأنجبت بها، تقول بنبرة غاضبة: «عيالنا على طول تعبانين فى صدرهم بسبب الريحة والدخان، ومفيش حد فينا بيعرف يقعد بره بيته، ولا بنعرف نفتح باب أو شباك، ومقفلين على نفسنا على طول بسبب الريحة دى»، موضحة أن كافة المنازل لا تفتح المنافذ نهائياً، وأن البعض لجأ إلى وضع قطع من القماش المشمع على المنافذ من أجل منع تلك الروائح الكريهة المنبعثة من المقلب من الدخول إلى منازلهم.
تتذكر «عبير» كيف كانت المنطقة قبل وجود مقلب أبى زعبل العشوائى، موضحة أنها كانت جميلة للغاية وبها الكثير من الحدائق والمزروعات، مضيفة: «كأننا كنا فى وقتها عايشين فى أى منطقة نضيفة وراقية تانية من المشهورين، وكانت فيها ورد وياسمين وفاكهة مزروعة»، مشيرة إلى أن كل ذلك مات حالياً بسبب المقلب الذى يضم كافة أنواع المخلفات، وأنهم كأهالٍ تقدموا بالكثير من الشكاوى إلى الوحدة المحلية التابعة لعرب العليقات، ولكن لم يهتم أحد بهم.