"كورونا" بين أبوعبيدة وابن العاص!

عمرو المنير

عمرو المنير

كاتب صحفي

المكان: الشام

الزمان: عام 18هـ/ 639 م

الحدث: وفاة أبوعبيدة بن الجراح

«أيها الناس، إن هذا الوجع رحمةٌ بكم، ودعوة نبيّكم، وموت الصالحين قبلكم».

هذا ما قاله «أبوعبيدة بن الجراح» لأهل الشام رافضاً دعوة أمير المؤمنين «عمر بن الخطاب» للخروج إلى الجبال تجنباً للخسائر البشرية نتيجة انتشار مرض الطاعون.

مات أبوعبيدة -المّبشَّر بالجنة- متأثراً بالطاعون ومات معه فى الشام عدد من كبار الصحابة محتسبين، ومنهم معاذ بن جبل، ويزيد بن أبى سفيان، وسهيل بن عمرو والفضل بن العباس بن عبدالمطلب، ويقال إن عدد مَن ماتوا بالطاعون فى هذه السنة بلغ ثلاثين ألفاً وهو رقم بالغ الضخامة بمعايير ذلك الزمان.

فلما اسّتخلف عمرو بن العاص على أهل الشام، قام فى الناس خطيباً فقال: «أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع، فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصّنوا منه فى الجبال»، أى اعزلوا أنفسكم للحد من الانتشار السريع للوباء، وهو ما يطلق عليه فى إجراءات مكافحة الأوبئة «Social distancing»، فكان قرار الداهية «ابن العاص» سبباً أساسياً فى التخلص من الوباء.

اليوم ونحن فى القرن الواحد والعشرين، يعتبر الكثيرون من أصحاب العقليات التواكلية المتحجرة أن ما يحيط بنا من كوارث أو أوبئة غضب من اللّه، فهل كان موت أبوعبيدة -أمين الأمة- ومن معه من كبار الصحابة عقاباً إلهياً لهم، وهل كان انتهاء الوباء رضا من الخالق على عمرو بن العاص وصحبه؟

أى نوع من التفكير يقودنا للاعتقاد أن انتشار فيروس كورونا عالمياً هو انتقام إلهى من الخارجين على طاعته؟ ولماذا إذن يصيب الوباء المسلمين والمسيحيين واليهود والبوذيين والملحدين وغيرهم على حد سواء دون تفرقة؟ وكيف يمتد الانتقام ليشمل حتى الأراضى المقدسة والمسجد الحرام، فتغلق الكعبة فى شهر شعبان الذى ترفع فيه الأعمال وربما يستمر إلى شهر الصوم والمغفرة!

ألا يعلم من يُرجعون غلق الكعبة حالياً إلى غضب الله أن الكعبة ذاتها قذفها «الحجاج بن يوسف الثقفى» فى زمانه بالمنجنيق فهدمت، ومات بجوارها مئات الآلاف من الحجاج أثناء تأدية الفريضة بسبب الطاعون قديماً، ثم الكوليرا التى انتشرت عشرات المرات أثناء الحج خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ومنذ عدة سنوات مات وأصيب مئات الحجاج عندما سقط ونش فى الحرم، فهل كان الله ينتقم عبر التاريخ ممن سعوا لزيارة بيته؟

وإذا صدقنا مثلاً قول المتنطعين إن هذا الفيروس هو جند من جنود الله أرسله لعقاب الصينيين على ظلمهم لمسلمى الإيجور، فهل انحرفت جنود الله عن هدفها وهاجمت عباد الله المسلمين؟ وهل سترحمنا السماء إذا حاربنا جنودها من الفيروسات؟ وبالعودة إلى قصة أبى عبيدة وابن العاص مع طاعون عمواس، إذ كلاهما -على مكانتهما العالية فى الإسلام- لم يكن إلا بشراً لا يوحى إليه.. اجتهدا فاعتقد أبوعبيدة بأن الأمر مرتبط بالقدر، فخاطب عمر بن الخطاب قائلاً: «أنَفِر من قدر الله»، فرد عليه قائلاً: «نَفِر من قدر الله إلى قدر الله»، بينما أدرك ابن العاص أنها مرض ينتشر بالمخالطة، فأمر الناس بالأخذ بالأسباب. كل هذه الحقائق التى حدثت بالفعل تجعلنا نطرح سؤالاً آخر: «هل تعاملنا السماء مثلما نعامل بعضنا البعض، تغدق علينا عندما ترضى، وتعاقبنا عندما تغضب؟».

بالطبع لا، لأن هذا العالم لا يساوى عند الله جناح بعوضة ولا يحتاج منه عز وجل انتقاماً بالوباء ليظهر لنا قدرته وهو القادر على أن يمحو الكون محواً كاملاً بـ«كُن فيكون».

مات ملايين البشر -من كافة الأجناس والأديان والمعتقدات- إذن، نتيجة الأوبئة والحروب عبر التاريخ، فإذا كان انتشار الوباء انتقاماً من السماء، فهل اكتشاف علاج له وانتهاء المخاوف منه يعد رضا إلهياً؟ وإذا كانت الحرب عقاباً من الخالق للبشر حتى يكفوا عن معصيته، فهل يعنى انتهاء الحرب أن البشر عادوا لطريق الطاعة والاستقامة؟ الشواهد تنفى ذلك.

اتركوا السماء، فليس كل شر يُحال إلى غضبها وليس كل خير يُنسب لرضاها. مشيئة الله ستنفذ، فاتركوا الجدل وأعملوا عقولكم، واحتكموا إلى المنطق العلمى واتخذوا التدابير اللازمة، وثقوا بأن العلماء -طال الوقت أو قصر- سيتوصلون لعلاج هذا الوباء الجديد. وسوف تصبح هذه الأيام تاريخاً نحكى عنه عندما نُحاط بمخاطر أخرى.