ممرض بعزل بلطيم: نواجه الموت وسننتصر بالتكاتف والالتزام

كتب: سمر عبد الرحمن

ممرض بعزل بلطيم: نواجه الموت وسننتصر بالتكاتف والالتزام

ممرض بعزل بلطيم: نواجه الموت وسننتصر بالتكاتف والالتزام

توفى والده عام 2018، وتركه مسئولاً عن أسرته، وحينما طلبه الوطن ليكون بين الصفوف الأولى فى مواجهة الوباء العالمى الجائح فيروس كروونا المستجد، لم يتأخر عن تلبية النداء، فترك أسرته وذهب لمستشفى العزل ببلطيم، ليكون خادماً للمرضى هناك، ولحظة الوداع طلب من والدته الدعاء له، لكنه متفائل بأن مصر ستنتصر على الفيروس لما رآه من تكاتف بين الجميع داخل المستشفى، فلا فرق بين طبيب وممرض، ولا فرق بين فنى وعامل، الكل هناك سواء، الهدف واحد، والحياة واحدة مع اختلاف أدوار كل منهم.

يوم الخميس 16 أبريل الجارى، في الحادية عشر صباحاً، حينما عاد من عمله الليلي بمستشفى العبور للتأمين الصحى بكفر الشيخ ، وبينما كان يستعد لآخذ قسط من الراحة قبل بدء الشيفت الآخر، فوجئ محمد عادل، ممرض بوحدة الرعاية المركزة داخل المستشفى، باتصال من مشرفة التمريض تخبره أنه جرى اختياره لينضم للطاقم الطبى الذى سيتوجه فى اليوم التالى إلى مستشفى بلطيم المركزى، والذى خصصته وزارة الصحة كمستشفى عزل للمصابين بفيروس كورونا.

لم يفكر الممرض البالغ من العمر 22عاماً، والذى تخرج من معهد التمريض عام 2018، فى التردد وافق على الفور: «يوم الخميس 12 أبريل، الساعة 11 الصبح، كنت لسه مروح من شفت سهر فى المستشفى لقيت مس خضره ، مشرفه التمريض فى المستشفى، بترنلى، وتقولى صباح الخير يا محمد، إيه رأيك تطلع مع الجروب اللي رايح مستشفى بلطيم؟، لقيت نفسي برد وبدون أي تردد بقولها ده واجب عليا تجاه مهنتي وتجاه أهل بلدي».

بطل الجيش الأبيض: «لبيت نداء الوطن وتركت أسرتى وأنا عائلها»

لم ينم الممرض حينها، ظل يفكر للحظات داخل غرفته، كيف سيخبر أمه وشقيقه الأصغر، أنه سيتركهما لمدة 14يوماً، لكن إبتسامة والدته كسرت حاجز الخوف من إخبارها، «كان الموقف صعب ومحتار أقول لأمى إيه وأزاى، لكن لقيتها بتضحك فى وشى فقولتلها أن فيه مرضى محتاجينى أكون معاهم فى مستشفى العزل وانتى عارفة وضع البلد، لقيتها بتقولى روح يبنى ومتتأخرش عن الناس، دا واجب لازم تعمله وحق البلد عليك، وإحنا هنا فى رعاية ربنا هو الحافظ، وإن شاء الله هيحفظك أنت وزمايلك وهترجعوا لينا مرفوعين الرأس».

فرح الممرض بكلمات ودعوات والدته إلا أن دموعاً ظلت حبيسة فى عينيها الى لحظة الوداع: «شوفت الدموع فى عنيها، ولما جه وقت السفر تالت يوم بعد تجهيز شنطتى، كانت بتسلم عليا وأنا ماشي والدموع فى عنيها وعنيا، تماسكت لحد ما مشيت، عشان أنا والدى متوفي وأنا المسؤل عن البيت، لكن أمى قوية، وده كان الدافع ليا، أنى اروح لخطيبتى أسلم عليها بقلب جامد، بس كانت حزينة وبكت لما شافتنى».

داخل المستشفى، الوضع مختلف عن أي مستشفى عمل به منذ عامين، هدوء وخوف، المرضى ملتزمون بغرفهم، لا خروج لأحد، الأطباء والممرضات والفنون والعمال، كل يؤدى دوره وسط حزمة كبيرة من الإجراءات الإحترازية، التعامل بحذر بين الجميع، بالطبع هى تجربة مختلفة، مشاعر مختلطة يعيشها هو وزملاءه: «الموضوع فى المستشفى مختلف، كنا بنعيش طوال اليوم فى عملنا مابين ضجيج المرضى وأصوات مختلفة، لكن الهدوء يسود المكان، نتخذ إجراءات وقائية كثيرة لم نعتدها، نتعامل بحرص، وما يساعدنا هو تعاملنا مع الحالات الحرجة، التجربة مختلفة لكن علمتنا حاجات كتير، كسرت الخوف والرهبة جوانا».

الممرض: «التجربة مختلفة وكسرت حاجز الخوف وسأكررها»

يروى الممرض تجربته فى التعامل مع مرضى كورونا قائلا: «بنطمن المرضى علشان حالتهم تتحسن، الدعم النفسى جزء كبير من العلاج، وإحنا بنقضى معاهم طول الوقت، المرضى هنا اتعلقنا بيهم واتعلقوا بينا لدرجة ان أحد المرضى أول ما شافني لقيته بيقولي مستر محمد أنا نفسي أخف.. نفسي أرجع شغلي، قد أيه الكلمة دي وجعت قلبي، طمنته ودعمته لحد ما أتحسن شوية، وتحولت نتائج تحاليله من إيجابي لسلبي، ووقتها شوفت الفرحة فى عنيه، قد إيه المرضى بيبقوا مشتاقين للعودة لحياتهم الطبيعية بدون خوف وقلق».

مواقف تعرض لها بطل الجيش الأبيض في عزل بلطيم، جعلته يبكى،  أصعبها أن يستقبل زملاءه المُصابين بالفيروس، دموعه تسيل لتغرق ملابسه رغماً عنه: «بكيت لما استقبلت 3 من زمايلى مصابين بالفيروس، الدموع غرقت عينى، مش متخيل أن أبطال الجيش الأبيض زمايلى هيكونوا هنا فى المكان ده مصابين مش جايين يقفوا معانا لعلاج الناس، كنت مرعوب ومش قادر أتعامل معاهم، لكن تماسكت نفسى علشانهم وقدرنا نطمنهم، أننا كلنا صحبة واحدة بإختلاف الأدوار، ودا كان ليه عامل كبير فى دعمهم، أنا متفائل إننا هننتصر على الوباء بس لازم الناس تخد بالها وتطبق الإجراءات صح، غحنا بنحارب كورونا وبنواجه الموت لكن هننتصر».


مواضيع متعلقة