ما الذى يريده الإنسان؟
«كنا نحن معشر الحمير سابقاً، نتحدث بلغة خاصة بنا، أسوة بكم معشر البشر، وهذه اللغة كانت جميلة وغنية، وكان لها وقع موسيقى جذاب، فقد كنا نتكلم ونغنى، ولم نكن ننهق مثلما نفعل الآن، لأن النهيق بدأ عندنا فيما بعد، وأنتم تعلمون أن جميع حاجاتنا ورغباتنا، وحتى عواطفنا، نُفصح عنها الآن بالنهيق. ولكن ما النهيق؟».
كتب تلك الكلمات الكاتب العالمى الساخر المبدع «عزيز نيسين» ضمن قصته الرائعة للغاية (آه منا.. نحن معشر الحمير)، التى ترجمها فى إبداع وسلاسة من اللغة التركية إلى العربية الكاتب السورى أستاذ «جمال دورميس»، ولعلى وددت اليوم أن ألقى معكم (شعاع نور) على الفكرة المحورية التى دارت حولها أحداث هذه القصة الساخرة عميقة المغزى.
وقبل أن أحدثك، عزيزى القارئ، عن تلك الفكرة، دعنى أطرح عليك هذا السؤال أولاً:
ما الذى يريده الإنسان فى هذه الدنيا «فى نهاية الأمر»؟!!!.
واسمح لى بأن أطلب منك أيضاً أن تجيب عن هذا السؤال قبل استكمالك للقراءة.
والآن، لعلى أكون على ثقة شبه تامة بأنه مهما تعددت وتنوعت إجاباتنا، فإنها (فى نهاية الأمر) ستلتقى عند فكرة واحدة ألا وهى (السلام)، فالإنسان منا لا يريد من الدنيا أكثر من أن يعيش فى سلام، سلام مع نفسه، سلام مع الناس من حوله، سواء كانوا من أفراد أسرته أو أصدقائه أو فى عمله ومجتمعه، فالسلام مع النفس ومع الآخرين هو أنشودة الحياة التى تتردد بداخلنا جميعاً، التى ننشد من خلالها الحصول على السعادة والوصول إليها، (السعادة) التى هى غاية الغايات، والتى نظل نبحث عنها طوال الرحلة.
وإذا لم يوجد السلام المنشود فى داخل نفس الإنسان، فإن السعادة تظل بعيدة عن الإنسان بل مستحيلة المنال، فمثلاً: النجاح فى العمل قد يحقق السعادة بشكل جزئى، ولكنه لا يصل بالإنسان إلى الحد الذى يتطلع إليه من السعادة التى يرغبها بشكل متكامل، وقس على ذلك امتلاك القوة أو النفوذ، وكذلك الشهرة، أو الجمال أو.. أو.. وغيرها من أشياء يتصور الكثير منا أنه بمجرد امتلاكه إياه أو إياها يصبح الشخص السعيد أو ربما الأسعد (بحسب تصوره).
فالإنسان قد يحصل على الكثير فى رحلة حياته، ولكنه قد لا يحصل على السلام مع نفسه، لماذا؟؟؟ لأن السلام مع النفس أمر ليس بالهين أبداً، فهو يحتاج إلى مجهود كبير ومستمر، كما أنه يحتاج أيضاً إلى ملاحظة دائمة وبخاصة لأخطائنا ولطريقة التعامل مع الأخطار التى نتعرض لها، وذلك قبل أن تتحول إلى جرائم، ثم مصائب نصل إلى مرحلة لا يمكننا التعامل معها.
فكل الذين فقدوا السلام مع أنفسهم كان ينقصهم شيئان مهمان.
ولحديثنا بقية نستكملها الأسبوع المقبل بإذن الله.