إلى الأطباء والممرضات: لا تتركوا أمانتكم واحفظوا عهدكم
- لم يترك كورونا بيتاً فى العالم تقريباً إلا ومسّه بفاجعة، تارة بالموت وأخرى بالعزل وثالثة بالضائقة الاقتصادية، أو أن يكون معلقاً فى بلد أجنبى لا يستطيع الوصول إلى بيته ووطنه أو لا يجد ما لا ينفق منه أو أحداً يرعاه،أو عملا يتكسب منه.
- لقد فجع كورونا الإنسانية، وقطع أوصالها، وأوقف الحياة شهوراً، وأصاب بالكساد قطاعات اقتصادية مهمة، فهو المرض الوحيد الذى ألزم الناس بيوتهم، وأوقف حركة المواصلات والطائرات.
- لم أكن أتصور ما فعله كورونا بالناس، حتى شهدت جنازة أحد أصدقائى مات بالكورونا، زوجته ومعظم أولاده لم يعلموا بموته، فهم معزولون، إما فى البيت أو فى مستشفيات العزل، زوجته لم تودعه ولم تعرف بموته فهى فى أحد مستشفيات العزل.
- وجد الابن نفسه وحيداً فى مواجهة المحنة التى ألمت بأسرته، واجه الموقف بشجاعة، رغم وضوح الأعراض ولكن المستشفيات ماطلته عشرة أيام -رغم أنه تحت طائلة التأمين- طالبة منه العزل المنزلى حتى ساءت حالته ومكث اليوم الأخير فقط على جهاز التنفس الصناعى، ثم مات فى اليوم التالى، انتشار الكورونا أكبر من أى قدرة طبية لأى دولة حتى أمريكا وإيطاليا نفسها، لقد أظهر عجز العالم وضعف الإنسان.
- بعد موته، حاول المستشفى التنصل من المسئولية، فلم يكتب فى تقرير الوفاة إصابته بكورونا، أعلى نسب الإصابة كانت فى هذين الأسبوعين، وهذا أدى إلى كرب مجتمعى كبير.
- يمكن أن تجد سبعة أو عشرة أفراد فقط يشيعون هؤلاء الموتى، كما قلت لابنه: والدك شهيد لم يحتج لأحد فى حياته ولن يحتاج لأحد فى موته، فهو اليوم عند الرحمن الرحيم الودود الرؤوف الغفار التواب سبحانه وتعالى.
- كورونا لم يترك شريحة من المجتمع إلا وأصابها، أما الأطقم الطبية، فكانت فى الخندق الأمامى فى مواجهة المرض فى مصر والعالم، وأصابها ما أصابها من جراء تعرضها المستمر للفيروس، وهى تتابع المرضى وتعالجهم عن كثب.
- فرغم الاحتياطات الكثيرة التى اتخذت لحماية الأطقم الطبية، فإن نسب الإصابة فيهم عالية للغاية، فقد أصيب منهم فى العالم كله 90 ألف طبيب، وهذا رقم كبير، وفى أمريكا وحدها أصيب 9200، وفى فرنسا توفى 105 منهم، وفى ألمانيا توفى 80، وأصيب 10400، أما فى إيطاليا، فأصيب قرابة 14 ألفاً، وفى بريطانيا توفى 200، أما إسبانيا فتوفى من الأطقم 133، والصين الأقل رغم زيادة عدد السكان فتوفى 67، وأصيب 3300، وفى تركيا توفى 24 طبيباً، أما فى مصر فأصيب 350 طبيباً، توفى منهم 19 حسب الإحصائيات الرسمية.
- وقد تعرض الأطباء الذين يعملون فى مستشفيات العزل لمصاعب اجتماعية فى البداية، ولكن موقف الدولة الصلب من رفض أهالى قرية شبرا البهو دقهلية من دفن جثمان الطبيبة سونيا عبدالعظيم وتحويل الذين قاموا بالتجمهر والمنع للنيابة، ثم لمحكمة الجنايات بست تهم ضبطت المجتمع المصرى وعلّمت كل من تسول له نفسه الاعتداء على حرمة هؤلاء الموتى أو حرمان طبيب العزل من العيش بسلام فى شقته درساً قاسياً.
- فهذه اللحظات الفاصلة من عمر الأمم والدول تحتاج إلى الحزم والحسم وإلا ما دُفن مريض أو مصاب بالكورونا ولتحول الأمر إلى فوضى عارمة أو صراعات قروية مسلحة.
- فقد حاول بعض سكان إحدى العمارات، طرد طبيب عزل من السكن فى شقته وتمادى بعضهم، فحاول إغلاق الباب عليه بقفل خارجى ولولا قوة أسرته وبأسها لطرد من شقته، رغم أنه كان يعيش وحيداً.
- فقرار الإحالة للجنايات منع شروراً كثيرة كادت تطال المجتمع المصرى الذى يحتاج لمنظومة رباعية «العدل، الحزم، الرحمة، الإنجاز»، وأى عنصر يضيع من هذه المنظومة يضر بالمجتمع والدولة معاً.
- وعلى الدولة الآن أن تنظر بعين العرفان الحقيقى والعملى لمجهودات الأطباء والممرضات، وقد أحسن د. مدبولى بلقاء نقيب الأطباء والاستماع إلى شكاوى الأطباء والوعد بحلها، مع تكرار اللقاء وفتح باب التواصل.
- وعلى الدولة أن تضع استراتيجية شاملة لوقف هجرة الكفاءات الطبية والتمريضية المصرية للخارج، فالطبيب المصرى عملة نادرة، وإذا وضعته فى منظومة طبية وإدارية صحيحة أعطى نتائج رائعة، أما أكثر الأوضاع الحالية، فتحتاج إلى تصحيح.
- لقد ضرب أ.د هشام الساكت، وكيل طب القاهرة وأستاذ جراحة الأطفال نموذجاً رائعاً للأطباء رغم أستاذيته وكان يقول دوماً لزوجته التى خافت عليه من كورونا «لقد جاء الوقت لنوفى بعهدنا وقسمنا أمام الله وعدم التخلى عن المرضى».
- أسماء طبية كبيرة قابلت الموت بصدر أعزل ونفس راضية وبعضها ظل يعمل فى مستشفيات العزل لا يخرج منها إلا كل 15 يوماً يعيشها أيضاً دون أسرته عادة.
- كل الأطباء والممرضات كأنهم يعيشون الآن على كلمة أ.د شيرين الجيار أرملة د. الساكت «ابقوا على العهد ولا تتركوا أماكنكم»، وذلك لوجه الله أولاً ولأداء الأمانة ثانياً، وأجرهم أولاً وأخيراً على الله، فهى رسالة وليست وظيفة وليكن شعار الجميع: «قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِى إِلَّا عَلَى اللَّهِ».