ما الذى يريده الإنسان (٣)
الخجول يخاف أمام الخطر، الجبان فى وسط الخطر، والشجاع بعد الخطر.. هكذا يقول ويردد الألمان أحياناً، ولكنى أقول وأردد دائماً: نعم.. وعليك أنت أيها الإنسان يقع الاختيار ما بين أن تعيش حياة الخجول، أو حياة الجبان، أو حياة الشجعان.. ممممم.. وقد يقول لى البعض: وما شأننا نحن بالألمان؟!، حسناً.. لديهم حق، فدعنا من الألمان، ولنسمع ما قاله لنا كاتبنا المصرى الكبير الأصلى والأصيل «جمال الغيطانى» عندما قال: لا خطر طالما نمضى، الخطر كله إذا توقفنا.. وما أعمقها تلك العبارة! يا صاحب المقام الرفيع رحمك الله وأسكنك فسيح جناته، يا من أدين له بالكثير.
لقد كانت تدور برأسى تلك السطور السابقة عندما فتحت صفحة جديدة لكى أكتب عليها سطورى اليوم، تلك السطور -وما بينها- التى أتابع معكم فيها للمرة الثالثة على التوالى محاولة الإجابة عن السؤال الذى سيظل محيراً أبدياً أبد الدهر ألا وهو: ما الذى يريده الإنسان منا فى هذه الحياة؟! ويا له من سؤال سهل صعب.
وتعالوا بنا نستكمل ونبدأ من حيث كنا قد انتهينا فى المقال السابق، فاتركوا لخيالكم العنان واسمعوا ماذا قال الكاتب العالمى «عزيز نيسين» فى روايتة «آه منا.. نحن معشر الحمير» على لسان «الحمار» -بطل الرواية- فى تفسير تحوله من موسيقار، كما كان فى الأصل.. إلى حمار فقط كما هو الآن!.
كان ياما كان فى غابر الأزمان، كان هناك حمار عجوز يلهو وحده فى الغابة الواسعة، يغنى بعض الأغانى بلغة الحمير، ويأكل بعض الأعشاب الطرية كالبرسيم، وبعد فترة صغيرة من اللهو شم أنفه رائحة ذئب قادم من بعيد.. ممممممم، فما كان من الحمار إلا أن رفع رأسه وقال لنفسه: لا.. لا.. لا توجد رائحة ذئب.. ليست هذه رائحة الذئاب.
وتابع الحمار لهوه ولعبه، وأخذ يقفز فى الهواء وينتقل من مكان لآخر، ولكن رائحة الذئب أخذت تزداد أكثر فأكثر كلما اقترب الذئب أكثر من الحمار.
وأخذ الحمار يقنع نفسه ويقول لها: قد لا يكون ذئباً.. لا يوجد ذئب.. اطمئنى يا نفسى اطمئنى كثيراً.. فى حين أن رائحة الذئب كانت تزداد باستمرار.. وكلما زاد اقتراب الذئب من الحمار، ارتعد جسده ودق قلبه بووم بووووم بووووووم.. ومع ذلك ظل الحمار يقول لنفسه ويردد: إنه ليس ذئباً.. إن شاء الله.. ومن أين سوف يأتى؟.. وإن أتى ماذا سوف يفعل؟.. وهكذا ظل الحمار العجوز يخدع نفسه ويضللها دون قصد منه بالطبع.
ها وقد اقتربت أقدام الذئب، ومع ذلك أخذ الحمار يقول: أتمنى ألا يكون ما أراه ذئباً، إن شاء الله لن يكون كذلك.. ألم يجد هذا اللعين مكاناً آخر غير هذا المكان؟ لقد أصاب الضعف عيونى لذا أرى هذا الشىء ذئباً قادماً.
حتى أصبحت المسافة بينهما نحو 50م، وما زال يطمئن الحمار نفسه ويقول: قد يكون حملاً أو فيلاً أو أى شىء آخر غير الذئب.. ولكن لماذا أرى كل شىء بهيئة الذئب؟ أعرف تماماً أن ما أراه ليس ذئباً، ولكن لماذا لا أبتعد قليلاً؟.
وبالفعل أخذ الحمار يبتعد قليلاً إلى الوراء، بينما الذئب أصبح أمامه فاتحاً فمه، ومع ذلك كان يقول الحمار: حتى لو كان القادم ذئباً.. ولكن لماذا ترتعد فرائصى؟ وأخذ يجرى بأقصى سرعته أمام الذئب المندفع نحوه.
بهذه الطريقة الساحرة الساخرة السهلة صوّر لنا الأديب «عزيز نيسين» صورة الحمار العجوز الذى ظل يخدع نفسه بستار كثيف من الحماقة، ويقتل الشعور بالخطر أو استشعار الخطر فى داخله.
ولحديثنا بقية..