«ديكساميثازون».. هل اقتربت النجاة؟

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

هل آن للبشرية أن تستريح؟ تحط رحالها على باب يبدو أنه يفتح آفاق الأمل لعلاج قد يقضى على بعبع «كوفيد 19». دراسة واعدة قام بها علماء إكسفورد حققوا فيها اختراقاً كبيراً لإيجاد أول عقار لكورونا، هذا الوحش الذى باغت العالم، وانقض على سلامته الجسدية والنفسية والاجتماعية، وبات يؤرق كل مضجع، أنهك قوانا، وبث الفزع فى حياتنا، ودمر أنفسنا، وفرض علينا العزل الإجبارى، لم يكتف بذلك بل حطم اقتصاديات الدول وأشاع البطالة، وغرس اليأس، مع كل مشهد نرى فيه الجثث المكدسة فى المستشفيات، وكل خبر تتداوله وسائل التواصل الاجتماعى معلنة عن شهيد هنا وفقيد هناك بسبب كورونا، قصص ومآس إنسانية قاسية لا تنتهى كان سببها كورونا، لم يعد فى حياتنا شىء ننشغل به، أو حديث نتداوله سوى «كورونا»؟!.

ما يقرب من ستة أشهر والفزع يجتاح العالم، رعب يسكن الدول، بعد أن غزا هذا الوحش الشرس كل معالم الحياة، وحول البشر إلى أداة طيعة تأتمر بأمره، وتنصاع لقراراته، وعاث فى الأرض فساداً، يحصد الأرواح بلا هوادة، وحير جهابذة العلماء والخبراء فى العالم!! دراسات وأبحاث تجاوزت الآلاف التى تبحث فى هذا الكائن شديد الصغر والدقة، ولم تتوصل إلى يقين، ولا حتى أجوبة محددة، أنهكتنا متابعة الأخبار القاتمة التى تتصدر عناوينها كل ساعة، طوق رقابنا بالخوف والهلع حتى اختنقنا، وضاقت الدائرة حتى عجزنا عن التنفس «مرضاً» أو «وهماً»، والجنازات تتزايد يوماً بعد يوم والإصابات تتصاعد بلا توقف، والخوف من المجهول يأكل التوازن داخلنا، ويحرمنا الراحة الكاذبة التى تساعدنا على النهوض كل يوم، من سبات خوفنا، لنطل على صباح جديد أملاً فى النجاة.

خبر أنعش الأمل فى الحياة، بعد أن أعلن علماء فى جامعة إكسفورد البريطانية العريقة، المشهود لها بالكفاءة والتقدم العلمى الكبير، بأنه عثر على ستيرويد يسمى «ديكساميثازون» يخفف من خطر الوفاة بنسبة تصل إلى الثلث بين مرضى فيروس كورونا الذين يعانون من مضاعفات تنفسية شديدة. ووجد العلماء الذين يعملون فى تجربة التعافى (Recovery Trial)، أن العقار يمكن أن يساعد المرضى المزودين بأجهزة التنفس الصناعى والأوكسجين، ولكن لم يكن له تأثير على أولئك الذين لم يحتاجوا إلى المساعدة فى التنفس. فقد أظهرت النتائج الأولية أن عقار «الديسكاميثازون» قلل من الوفيات بزهاء الخمس لدى المرضى الذين يتغذون على الأوكسجين، وبنسبة الثلث لدى أولئك الذين يحتاجون إلى جهاز التنفس الصناعى، وهى خطوة كبيرة إلى الأمام، ومن المدهش أن أول علاج تثبت فاعليته للحد من الوفيات متاح على الفور وبأسعار زهيدة فى جميع أنحاء العالم. ولأول مرة تتفق منظمة الصحة العالمية مع هذا الاكتشاف دون تحفظ، وتشيد بتحقيق هذا «الاختراق العلمى» الواعد، فقال عنه المدير العام لمنظمة الصحة العالمية «تيدروس أدهانوم غيبريسوس» إنه أول علاج «مثبت» يقلل من الوفيات فى صفوف مرضى كوفيد 19 ممن يتنفسون بواسطة أنابيب الأوكسجين أو أجهزة التنفس الصناعى، خاصة أنه ما زالت الدراسات البحثية تكثف جهودها فى دراسة الشفرة الجينية للفيروس، ولم تتوصل إلى شىء يؤكد حتى الآن!! فضلاً عن أنها متناقضة ومتضاربة وفى أحيان كثيرة تزيد من حالة الارتباك والهلع. فى وقت يصارع فيه العالم أجمع دولاً وشعوباً، باحثين وخبراء، لإيجاد دواء ينهى كابوس كورونا الذى تفشى فى العالم كله، ووضع أكثر من ثلثى سكان الكرة الأرضية فى الحجر الصحى، وغير الخريطة الإنسانية للعالم كله، وهو أول دليل علمى ربما يحسن فرص نجاتنا من كورونا.

تسابق دول العالم الزمن وتكثف جهودها للوصول إلى لقاح أو علاج، أيهما أقرب، ليخلص البشرية من فيروس كورونا المستجد الذى غرز أنيابه وتمكن من جسد البشر، فلم يكن فى حسبان الدول يوماً، أن تتعرض لكارثة كتلك التى تعيشها، ومع تداعيات جائحة كورونا وقسوتها، أدركت الدول أنه لا سبيل عن العلم ثم العلم ثم العلم، فهو «الملاذ والأمان»، الذى بدأ ينظر له بقداسة واحترام وتقدير واهتمام منقطع النظير، فالمخاطر التى تتهدد البشرية من الفيروسات والأوبئة بدأت تتواتر وبدأ العلماء والباحثون الحديث عنها، يحذرون من ضراوتها، وقربها الشديد من البشر. نحن بحق على أعتاب مرحلة جديدة سيسجلها التاريخ، تغيير فى المفاهيم والثقافات والسلوك، فقد نجح فيروس كورونا فى اختراق النظام العالمى، ليغير من الوعى الجمعى، ونأمل أن يكون هذا التغيير فى مصلحة العلم والبشرية.