لا تصنع الأوطان ولا الحضارات بالأمانى ولا بالأحلام، بل بالفكر المبدع، والرؤية الثاقبة، والإدارة المدروسة الناجحة، والهمم الصادقة، والقدرة على التواصل، والبحث العلمى، والابتكار فى إيجاد الحلول والأطروحات، وبين أيدينا نموذج فريد للنجاح، القائم على أسس مدروسة، ورجال أكفاء، استطاعوا خلال فترة زمنية محدودة، أن يحولوا الآمال والأحلام إلى واقع ملموس، وهى مؤسسة «57357» لعلاج سرطان الأطفال، فقد توجهت قبل بضعة أيام إلى زيارة تلك المؤسسة، وقضيت غالب اليوم فى ضيافة إدارة المستشفى، وشرح لى الدكتور شريف أبوالنجا تاريخ الفكرة، وكيف تحولت بصبر دؤوب إلى هذا الصرح الشامخ، ومقدار ما تؤديه من خدمات علاجية مجانية للأطفال المصابين بسرطان الأطفال، حتى حاز المستشفى على شهادات جودة من جهات عالمية، ومن منظمة الصحة العالمية، وقد تبين لى من خلال هذه الزيارة أن كل ما كنت أقدر أنى أعرفه عن عظمة هذا الصرح لا يساوى ذرة مما رأيته على أرض الواقع، ومن الآمال الطموحة التى تريد تحويل هذا النجاح إلى مراكز بحثية، وإلى وحدات تدريب، رأيت فى هذا الصرح نموذجاً فريداً للإدارة الناجحة، التى حالفها التوفيق، والتى أخذت على عاتقها إحياء النفس الإنسانية: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»، وأخذت على عاتقها إكرام الطفولة، والسعى فى إنقاذ الأطفال من السرطان الذى يفتك بهم، ورأيت منظومة عمل فى غاية النجاح والتميّز فى تقديم العلاج، مع كل العمليات الخدمية التى تحيط بالعمل العلاجى، من مراعاة قواعد علم تصميم المستشفيات، والعناية الطبية الفائقة بتجهيز طعام المريض بمعايير بالغة الدقة فى السلامة والأمان، ومنظومة النظافة، والترفيه عن الطفل المريض، والعلاقات العامة، والعلاقات الدولية الناجحة بكل المؤسسات الطبية العملاقة ذات الصلة، والخدمة الإعلامية، فضلاً عن الجوهر الذى هو تقديم خدمة طبية فائقة، بالمجان.
وقد استوقفتنى أيضاً فى المستشفى عدة أمور:
أولها: الارتقاء بـ«مؤسسة 57357» عن الاقتصار على كونها جهة خدمية بحتة، تقدم الخدمات الطبية فقط، كما هو المعهود فى أغلب مؤسساتنا، إلى فلسفة ورؤية أخرى مغايرة تماماً، ألا وهى استكمال الأدوات العلمية، والخبرات الطبية، التى تؤهلها لأن تكون مؤسسة بحثية، تنتج وتتابع وتصنع البحوث الطبية فى مجال سرطان الأطفال، وهذه قضية تحتاج إلى مراعاة عدد من الأعراف العلمية، ومعايير البحث العلمى الجاد، الذى تكون له مصداقية، والتواصل والتفاعل مع كبريات المؤسسات العالمية العاملة فى هذا المجال.
ثانياً: المنظومة الإدارية الناجحة، فى سائر مستويات العمل، التى تراعى متابعة تطوير القدرات، ورفع مستوياتها، وجريان العمل وانتظامه على نحو يستنفر كل طاقات أطقم العمل، من النظافة والترفيه عن الطفل، إلى قواعد العلاج والتشخيص والمتابعة، حيث إن دولاب العمل قد تأسس على أن يكون وسطاً تزدهر فيه الطاقة العاملة، وتلفظ كل شخص ميال إلى التفريط وإلى الإهمال، وهذا وحده من أهم أسباب النجاح فى إدارة أى مؤسسة أو عمل.
ثالثاً: التفكير المبدع فى مختلف مستويات العمل، بحيث انتقلت المؤسسة من العلاج والخدمة الطبية، إلى استقبال الكوادر الطبية من عدة دول وتدريبها، بحيث تتحول المؤسسة إلى مركز لنقل الخبرات، وتصديرها، وإلى نشر ثقافة محاربة السرطان، ومحاصرة أسباب وجوده، ونشر الثقافة المجتمعية فى التعامل معه، بحيث تكون هناك منظومة عمل لتضييق أسباب وجود السرطان، بالتوازى مع جهود معالجة الحالات التى ابتليت به بالفعل.
رابعاً: رأيت فى ذلك الصرح مصر على حقيقتها، حيث الإنسان المصرى المبدع، الناجح، المتألق، الطموح، القادر على الإنجاز، وتذكرت هناك الإنسان المصرى الذى بنى الهرم الأكبر، وسور مجرى العيون، ومسجد السلطان حسن، وأنه هو بنفسه وبعبقريته وبتألقه الذى شيد به صرح هذه المؤسسة، ورأيت امتزاج شرائح المجتمع، المسلم والمسيحى، وأبناء الصعيد والدلتا والمحافظات المختلفة، والوافدين من دول أخرى للعلاج، والكل يقابل بأرقى أساليب الاستقبال والتشخيص والعلاج، بروح من الرحمة، والحرص على رفع المعاناة، والتفانى فى البذل والخدمة، ورأيت تضافر المصريين بالخارج من أجل إنجاح المشروع ودعمه، خصوصاً جمعية (Egypt cancer net work)، ولا شك أن النجاح دائما يُوَلِّدُ المزيد من النجاح.
وأخيراً فإنى أتوجه بالشكر العميق إلى مجلس أمناء مؤسسة «مصر 57357»، وأعلن دعمى لهذا الصرح الشامخ بكل ما أملك، وأدعو كل من يملك شيئاً يدعم به هذا الصرح، إلى أن يفعل، من زكوات، وتبرعات ووقفيات، لأن المؤسسة تقوم بالأساس على هذه الموارد، وقد رجعت فى آخر اليوم، وقلبى شديد التأثر بهذه الجهود الجبارة المخلصة، وبخالص الدعوات لهم بالتوفيق.