قالوا الجمل طلع النخلة.. والبريد المصرى أيضاً

باعتبارى من مرتادى مكاتب البريد، فأنا أميل كثيراً للماضى وللتقاليد، ولا أجد حرجاً من الاعتراف بالتطور الحاصل فى دهانات البريد، أو فى حلول التكييف مكان مراوح الحائط المتهالكة، أو فى ماكينة الأرقام التى أحياناً ما تعمل، لكن للأسف دائماً ينقصها شىء بسيط جداً وهو الورق.

فى كل مرة أذهب إليه، أحاول جاهداً الابتعاد عن شباك الحاجة اعتدال، ليس لعيب فيها لا سمح الله، لكن اجتناب الفتنة قدر الإمكان، خاصة وأنا العبد الفقير المقلع حديثاً عن التدخين، الذى يسهل إغواؤه، بمجرد أن تبدأ الحاجة اعتدال فى «عد» النقود على طريقتها؛ «تبلل» أصابعها بلسانها ونحن فى زمن الكورونا، وتداعب كل ورقة ببطء ملحوظ، ليتكرر المشهد مرتين على الأقل، إلا إذا أخرجها شىء عن تركيزها، مثل صياح عميل معذَّب، أو غضب صاحب معاش أوشك أن يدخل فى غيبوبة سكر من طول الانتظار، فتعيد الحاجة اعتدال «عد» النقود مرة ثالثة، بسرعة أقل.

وأعترف أننى حاولت أن أرشو موظف الأمن فى البريد، كى يبعدنى عن شباك الحاجة اعتدال، باعتباره المسئول عن تنظيم التعامل مع الشبابيك فى حالة تعطل ماكينة الأرقام أو نفاد الورق، لكن شيئاً ما نهرنى عن الإتيان بالجريمة، فقد لاحظت أن ثمة علاقة بين موظف الأمن والحاجة اعتدال، ما جعلنى أركز قليلاً معهما، فقد ذهب إليها فارغ اليدين، ثم أتى حاملاً كيساً من البلاستيك، ما أن جلس على كرسيه، حتى أخرج منه شيئاً ملفوفاً بورق جرائد (ياااااه هناك من يجد فى الصحف شيئاً نافعاً)، ثم يخرج منه كيس بلاستيك آخر شفافاً، يمد يده بداخله ويخرج منه «شقق جبنة بالخيار».

مشهد لا يتكرر كثيراً، يمر ساعى البوفيه من خلف الشبابيك، ويقترب من الحاجة اعتدال، التى تشير له برأسها باتجاه موظف الأمن، المنهمك فى التهام الخيار الذى يتساقط من شقق الجبنة البيضاء، وبدلاً من أن يلتف ساعى البوفيه ليوصل كوب الشاى إلى فرد الأمن، ينادى «بودى»، فيرتبك للغاية موظف الأمن، ما بين الخيار بالجبنة وكيس البلاستيك وورق الجورنال، وما بين ترك كل هذا والذهاب لأحد الشبابيك، ليمد يده من الدائرة المفتوحة فى اللوح الزجاجى ويأخذ كوب الشاى «يبلّع» به ما تبقى من ساندوتشات.

بذلت «اعتدال» جهداً خرافياً لتدفع رئيس الهيئة لتعيين «بودى»، فقد ظلت تذهب للقائه شبه يومى ما يقرب من ثلاث سنوات، حتى رضخ أمام دموع لا تنقطع، وتوسلات لا تتوقف، بشرط أن توافق على نقلها لمكتب بريد بعيد عن رئاسة الهيئة، سيعيَّن فيه ابنها «الذكر» الوحيد الذى جاء بعد ست بنات، أربع منهن يعملن فى مكاتب بريد أخرى، فى حين تعيش إحداهن فى خميس مشيط، إحدى مدن جنوب غرب السعودية، والثانية تعيش بضاحية إستان، شمال باريس، العاصمة الفرنسية.

فارق كبير بين مؤسسة «عريقة» كالبريد المصرى، وشركة «حديثة» كـ«فودافون»، الأولى تكلمت عن أحد مشاهدها الساخرة المبكية، لكن الثانية لى معها صولات وجولات لا يتسع المقام والمقال لها الآن، لكن المقارنة لن تكون أبداً لصالح أى منهما، فكلتاهما، كما «تبّاع» الميكروباص، ترانى مجرد «جنيه» يمشى على الرصيف.

لكن بقيت كلمة لـ«السيدة العريقة» باعتبارى شاهداً على لحظة فارقة بين تاريخ قبل وبعد، أشاهد مرة كل شهر على الأقل محاولات حقيقية وجريئة لجمل يسعى لتسلق نخلة، فقرر صاحب الجمل أخيراً، وبعد تفكير عميق للغاية، أن يجارى التطور، ويواكب العصر، فباع الجمل، واشترى أسرع سيارة فى العالم، وما زال يتساءل لماذا لم تتسلق السيارة.. النخلة.