دارت بذهنى فجأة أسئلة، أصابتنى بالحيرة عن الكاتب الكبير، محمد حسنين هيكل.. أكثر هذه الأسئلة «صداعاً»: هو هيكل عايز إيه؟ كيف لهذا الرجل أن يحجز لنفسه مكاناً يحسد عليه بهذا الشكل على المائدة الرئاسية طيلة ما يقرب من نصف قرن -أو يزيد- يقضيه بصحبة جميع الرؤساء الذين تناوبوا على السلطة فى مصر لعصور كثيرة.. ثانى الأسئلة: من أين أتى هيكل بالقدرة على الوصول إلى منصة من يملك سدة الحكم والقرار فى مصر بهذه الصورة، ليس بغرض النصيحة وفقط، بل بالمساهمة فى صناعة القرار (فترة حكم عبدالناصر نموذجاً). هل هيكل يتمتع بقوة خارقة يستطيع بها النفاذ للزعماء؟ هل هو رجل قوى فعلاً، أم أنه يستمد قوته من ضعف الزعماء الذين يقترب منهم؟ هل «هيكل» يعد نموذجاً للرجل المثقف الذى تستخدمه السلطة السياسية، كما زعم شمس بدران، وزير الحربية الأسبق مؤخراً، حين صدمنا بمعلومة تفيد أن «هيكل» كان شديد الانبهار بزعامة «ناصر»، على عكس ما يظن البعض من أن «هيكل» كان شريكاً لعبدالناصر فى القرار. ففى عهد الرئيس الراحل عبدالناصر وجدنا «الترمومتر الهيكلى» قد بلغ أقصى درجات الصعود، وازداد القرب بينه وبين «ناصر» وأصبح فى عهده أشبه بـ«لسان حال» حركة الضباط الأحرار، وكان أهم شخصية على الإطلاق فى الصحافة المصرية والعربية وصاحب بصمة واضحة. وما إن مات الزعيم الراحل عبدالناصر وانتقلت السلطة إلى الرئيس السادات حتى هبط مؤشر الترمومتر بصورة حادة. وقد ظل «هيكل» يلعب فى حياة «السادات» الدور نفسه، الذى كان يلعبه فى حياة عبدالناصر حتى حرب أكتوبر 1973. فقبل الحرب كان السادات يعانى فراغاً سمح لهيكل بالتمدد، لكن الأمر اختلف بعد تحقيق النصر، فبدأت المساحات المتاحة لهيكل فى التقلص، وبدأ دوره بالتالى فى التراجع، وما إن اختفى «السادات» بعد حادث المنصة الشهير حتى أفرغ «هيكل» شحنة الغضب التى تخلفت عن الابتعاد عن دائرة السلطة فى كتابه الشهير «خريف الغضب».
وخلال فترة حكم مبارك، أصبحت العلاقة بين هيكل ومبارك «بين بين»، فأحياناً تحدث لقاءات واتصالات، وأحياناً يسيطر الفتور والركود على العلاقة. هذا ما نستطيع أن نستخلصه من كلام «هيكل» نفسه فى كتابه الذى ألفه عن «مبارك»، والمعنون بـ«من المنصة إلى الميدان». وقد ذكر «مبارك» فى التسريبات المسجلة التى نشرتها جريدة «الوطن» ما نصه: «مصطفى الفقى جابلى هيكل، وقالى يكتب لك خطاباتك، فحبيت أخلع منه، وقلت له راجل كان بيكتب لعبدالناصر هيكتبلى، ده مينفعش خالص وميصحش. والعجيب أن «هيكل» اجتمع مع الرئيس المعزول محمد مرسى فى أكثر من مناسبة، لكن «العجوز» عاد إلى صباه، عندما طل المشير «السيسى» على المشهد السياسى، فظهر ملازماً للسيسى فى احتفالات القوات المسلحة، وكذلك فى العديد من المناسبات الوطنية. وقد سمعت من أحد الكتاب المقربين إلى «هيكل» أنه كان ذات مرة خارج البلاد (بعد 30/6)، فحادثه المشير السيسى تليفونياً لأخذ رأيه فى بعض الأمور التى تتعلق بالإخوان لثقة «السيسى» فى أن «هيكل» على معرفة كاملة بالإخوان منذ عبدالناصر، ومعاصرته لكل الأمور على الطبيعة، فما كان من «هيكل» إلا أن قطع زيارته للخارج، وأتى لمقابلة المشير! كل هذه الأمور جعلتنى أتساءل: ما الذى يقدمه «هيكل» للزعماء، لكى يصبح رجل كل العصور، وهل مصر مفيهاش رئيس بإمكانه أن يدير البلد بدون «وصيف» أقصد بدون «هيكل»؟!.