أحجار السيسى وحصى محاوريه..

محمد منير

محمد منير

كاتب صحفي

قرأت حكاية قديمة لأستاذ جامعى أراد أن يشرح لطلابه أهمية تنظيم الأولويات فى حياة الإنسان طبقاً للأكثر أهمية وتأثيراً فى الحياة، وحتى تصل الفكرة للطلاب بشكل سلس وسهل، أحضر الأستاذ جرة من الزجاج فارغة، ومن ثم شرع فى ملئها بالأحجار ذات الأحجام الكبيرة إلى أن امتلأت عن آخرها، ومن ثم سأل الطلاب: هل امتلأت الجرة؟ قالوا: نعم. ثم أحضر بعض الحصى الصغير وبدأ فى سكبه فى الجرة إلى أن امتلأت ثم أخذ فى هزّها جيداً فظهرت بعض الفراغات فوضع مزيداً من الحصى الصغير إلى أن امتلأت عن آخرها ثم سأل الطلاب هل امتلأت: قالوا: نعم. ثم أحضر كيساً مليئاً بالرمال ثم بدأ بسكبه فى الزجاجة إلى أن امتلأت عن آخرها، وسألهم السؤال نفسه فأجابوا الإجابة نفسها، بعدها أحضر كوباً كبيراً من الماء وسكبه داخل الجرة حتى امتلأت عن آخرها، وسألهم هل امتلأت؟ قالوا: نعم. وبدأ يشرح لهم أننا لو وضعنا الرمال والحصى الصغير أولاً فلن يكون هناك مكان للأحجار الكبيرة، وبالطبع يقصد بالأحجار الكبيرة، الأشياء الأكثر أهمية لمجريات حياتنا، والرمال والحصى الصغيرة هى التفاهات التى ننشغل بها أحياناً. استهدف الأستاذ الجامعى من هذه التجربة توضيح أن الإنسان عندما يُضيع وقته فى التفاهات فلن يجد وقتاً للأشياء الثمينة، وأن الإنسان يجب أن يدرك جيداً كيف يرتب أولوياته. لا أعلم لماذا تذكرت هذه الحكاية عندما شاهدت حوارات المشير عبدالفتاح السيسى التليفزيونية، فالرجل طوال الوقت يوجه دفة الحديث نحو الأحجار الكبيرة، والآخرون يوجهون الدفة نحو الرمال والحصوات الصغيرة والمياه أحياناً، باستثناء بعض الأحجار الكبيرة التى كانت تُقذف بالخطأ من زاوية «فرد العضلات»، أو «ضرب الأكتاف» مثلما فعل إبراهيم عيسى عندما استخدم كلمة عسكر، وقال له السيسى لن أسمح لك بأن تستخدم هذه الكلمة مرة ثانية، وبخبث شديد قال عيسى: وما سر هذه الحساسية المُفرطة لكلمة عسكر؟! وكأنه لا يعلم، فأجاب السيسى بذكاء شديد: إن اللفظ بدلالة استخدامه، وهو الآن يُستخدم للإساءة، وأضاف: «ولّا أنا مش واخد بالى»، فعاد عيسى ليجيب وهو يشير بيده إلى لا شىء. عند البعض ربما يُستخدم للإساءة، على طريقة: «مش أنا يا فندم»، وخرج علينا بعد ذلك ليقول: «لا السيسى ولا رئيس مصر القادم يستطيع أن يمنعنى من أن أقول كلمة عسكر». وعند الحديث عن «اللمبة الموفرة» أخذ السيسى فى توضيح أننا ننتج 30 ألف ميجاوات، ومشكلتنا الدائمة تكمن فى زيادة ألف ميجاوات، وبالطبع الحل التقليدى هو تأسيس محطات، وهو حل سيستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات، وبالبحث العلمى وجدنا أن استخدام «اللمبة الموفرة» يوفر ستة آلاف ميجاوات بالإضافة إلى وسائل الترشيد الأخرى، وكانت تعبيرات وجههما تقول: «يعنى اللمبة هى اللى حتحل مشكلة مصر؟!». وعندما استخدم وائل الإبراشى كلمة «التسول» وصفاً للمساندة العربية والخليجية لمصر، التوصيف الذى رفضه السيسى شكلاً ومضموناً، وأوضح أن هذا غير موجود فى العلاقات بين الدول، محاولاً الاستشهاد بمشروع الجنرال جورج مارشال، رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكى، والذى عُرف بمشروع مارشال الاقتصادى لإعادة تعمير أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والذى رُصد له 13 مليار دولار أمريكى، وأضاف أن هذا وقتها لم يصفه أحد بأنه تسول. فقد طغت الحصوات الصغيرة والرمال على الأحجار الكبيرة التى كان يتحدث عنها السيسى، الذى كان يتحدث عن واقعنا بشفافية وشجاعة رجل مسئول، وليس بتردد وخوف مرشح رئاسى يريد أن يحافظ على أصوات ناخبيه، وكما قال عند سؤاله عن لماذا ستنجح أنت فيما فشل فيه الآخرون قال: يمكن أنا شايف المشكلة صح.