ولكنكم لا تحبون الضرائب

عمرو المنير

عمرو المنير

كاتب صحفي

لم يُخلق بعد ذلك الذى يكتب شعراً فى الضرائب، أو يؤلف فى عشقها مقطوعة موسيقية، فالناس فى كل مكان لا يحبونها، ويتحسسون جيوبهم عند الحديث عنها لأنهم يعتبرون الضريبة مشاركة إجبارية لهم من الحكومة فى مكاسبهم التى حصلوا عليها بجهد شخصى.

أتفهم تماماً الهجوم على الضرائب، فلا يوجد من يقدم جزءاً من ربحه وهو راضٍ تماماً، أتفهم ذلك رغم أنها وبصيغة بسيطة جداً تمثل جوهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية بل والسياسية أيضاً، ففى أبسط وأقصر تعريف للضرائب وهو «تضحية الفرد من أجل المجتمع» تظهر أهميتها وقدرتها على تحقيق جزء كبير من العدالة لأنه لا يمكن القول إن هناك نظاماً ما يمكنه تحقيق عدالة مُطلقة بل هى محاولات دائمة للبحث عن صور قريبة من كلمة العدل.

ساهمت الضرائب فى تغيير نُظم سياسية واقتصادية على مر التاريخ، وكلنا نتذكر ونحن طلبة فى المراحل الأولى للتعليم أن الإجابة عن سؤال: لماذا سقطت دولة ما؟ كان التعسف فى فرض الضرائب أحد الأسباب غالباً، ولكن يبقى للضرائب دائماً دور، خفياً كان أو ظاهراً فى تغير النظم والأوضاع الاجتماعية لصالح الفرد.

فعندما نبحث فى التاريخ نجد أن هناك بعض البدايات التى جاءت بمحض الصدفة وساهمت فى تشكيل نظم جديدة وخلق عقد اجتماعى جديد، إذ سجل التاريخ أن بداية فكرة الضرائب نشأت فى العصر الحجرى قبل آلاف الأعوام عندما كان الرسامون يقومون برسم صور الحيوانات باعتبارها صوراً مقدسة تقدم كـقرابين للآلهة من أجل موسم صيد جيد، وكان مئات الأشخاص من أهالى القبائل البدائية يقومون بإمداد هؤلاء الرسامين بالطعام والأدوات والألوان ووسائل الإضاءة اللازمة لعمل تلك الرسومات. وقد اكتشف العلماء إحدى هذه الرسومات وعمرها أربعة عشر ألف عام على جدار أحد كهوف التاميرا -الذى يعد تحفة فنية- فى شمال إسبانيا، ولأهميته التاريخية يفتح للزيارة مرة واحدة فى الأسبوع لعدد أربعة أفراد فقط.

من هنا بدأت الفكرة أن يقدم بعض أفراد المجتمع تضحية من أجل باقى أفراد المجتمع وتوفير الحياة للجميع. واعتبر ما قدمه أهالى تلك القبائل أول أشكال سداد الضرائب لصالح المجتمع ككل.

ربما يصعب على البعض تفهم فكرة الضريبة كوسيلة لتحقيق التنمية فمعظمنا يريد أن يضع فى جيبه كل ما يحصل عليه، ومعظمنا لا يدرك أن ما يدفعه اليوم ربما يستفيد منه أبناؤه غداً، فمن منطلق المنطق السائد «احيينى النهارده وموتنى بكرة» تختمر الأفكار العدائية تجاه الضرائب وتظل باقية بداخلنا.

هنا وعبر حلقات متتالية سوف نفتح نافذة على الضرائب وعلاقتها بالمجتمع ودورها فى تحقيق تنمية اجتماعية أو اقتصادية ودورها أيضاً فى منح بعض الدول استقلالاً غالياً، ولا يخفى علينا أن التلويح بخفض الضرائب أو الإعفاء منها يمثل ورقة من أوراق الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية فى العالم، فالضرائب -فى أى انتخابات ديمقراطية- هى أحد الموضوعات الرئيسية القادرة على جذب اهتمام العامة وتوجيههم إلى مرشح ما، ليس هذا فحسب، فالضرائب تمثل نقطة التفاعل الرئيسية بين الحكومة والمواطنين، وبالتالى فإنها تسهم فى شعور عام بالرضا فى حال وصولها للفئات الأقل دخلاً فى صورة خدمات ومرافق وطرق.

وسوف نستعرض فى سلسلة المقالات القادمة كيف أثرت الضرائب فى مجرى الأحداث وغيرتها لصالح الشعوب، وسوف نعرف أيضاً أن الضريبة فى مجملها حركة مجتمعية اقتصادية تعود علينا جميعاً، فهناك من يدفع جنيهات معدودة وهناك من يدفع ملايين الجنيهات كل حسب أرباحه، وحتى من هو معفى من سداد الضرائب لأسباب اجتماعية أو اقتصادية، فإننا جميعاً فى النهاية يحق لنا أن نستخدم الخدمات معاً ومن دون تمييز.

كيف قادت ضريبة الدمغة أمريكا نحو الاستقلال؟

الإجابة فى المقال القادم.

                                 خبير الضرائب الدولية ونائب وزير المالية السابق