المعادى.. حارة اليهود المجهولة
يعرف سكان حى المعادى، وأنا منهم، أن لحى المعادى إجمالاً تاريخاً قديماً، وأن بعض أجزائه أكثر عراقة من بعضها الآخر، وأن كثيراً من العمران القبيح قد طال أركان المعادى فى العقود الأخيرة فلم يبق من جمال ماضيه إلا علامات لا تبوح بحكاياتها إلا لمن سكنه طويلاً، لكنْ قليلون فقط هم من يلمون حقاً بحكاية الحى، وهؤلاء على الأرجح إما من عجائز الحى أو من أبناء العائلات التى سكنت المعادى منذ طور النشأة.. قبل ما يزيد على القرن من الزمان.
ويظل الشق اليهودى من حكاية المعادى مطموساً ليس فى الذاكرة المصرية فحسب، بل حتى لدى عائلات من هم مثلى ممن عاشوا أغلب أعمارهم يتنقلون بين حدائق هذا الحى الوادع ومؤسساته التعليمية ومحاله ومقاهيه.
تُرجع بعض الوثائق التاريخية إنشاء المعادى إلى نهايات القرن التاسع عشر بعد أن أمر الخديو إسماعيل بإنشاء منتجع ومشفى فى منطقة حلوان بعد أن اكتشف التأثير العلاجى لمياه آبارها. فى تلك السنوات عنى الخديو بإعمار حلوان فأنشأ قصراً لأمه ليحيى المنطقة من حوله، وهو المعروف بـ«قصر الوالدة»، فأغرى ذلك الأجانب والأثرياء من حاشيته ليشيدوا قصورهم وفيللهم حول قصر الوالدة. مع الوقت استدعى هذا العمران ربط حلوان بالعاصمة، فأمر الخديو بإنشاء خط سكة حديد وتخطيط طريق معبَّد بين حلوان وقلب القاهرة.
على خط السكة الحديدية هذا وقفت منطقة المعادى رقعة مغرية للمستثمرين الأثرياء المصريين، فتملك أحد أبناء عائلة موصيرى، إحدى كبريات العائلات اليهودية المصرية التى وفدت من إيطاليا لتستقر فى مصر فى القرن الثامن عشر، أجزاء شاسعة من أراضى المعادى ليعمر ويستثمر فيها، ليخضر الحى بأيدى عائلة موصيرى وعدد من كبار الأجانب الذين كانوا يقيمون بمصر آنذاك.
أوكل تخطيط المعادى وتقسيمها إلى رجل عسكرى كندى هو كابتن ألكسندر جى آدامز عام 1903، لصالح شركة «دلتا للاستثمار والإنشاء» وهى شركة بريطانية ملك بعض أسهمها عدد من يهود مصر الأثرياء، كان من بينهم أبناء موصيرى. وقد ظلت الشركة تدير تلك «الجنة الصغيرة» منذ إنشائها وحتى العام 1961 وموجة التأميم الناصرية للشركات، حيث قرر كثير من المستثمرين اليهود أنه آن الأوان للرحيل عن مصر، ولم تكن إسرائيل هى المقصد فى أغلب الحالات.
كان للبريطانيين ثكنة ووحدة تحقيق فى تلك المنطقة، فضلاً عن وحدات سكنية تخص الجنود والمدنيين البريطانيين، لذا فقد تم تصميم الحى بطريقة تجعل محاصرته عسيرة والفرار عبر دروبه سهلاً فى حال ثار المصريون على المحتل الأجنبى وقرروا مهاجمة مواقعه النائية، لذا تجد الملمح الرئيسى لتخطيط المعادى يتمثل فى ميادين دائرية تقود إليها شوارع رئيسية متعددة ويتفرع من كل شارع رئيسى دروب صغيرة متصلة ببعضها فى شبكة محفوفة بالأشجار الكثيفة.
ظلت منطقة المعادى، خلال عقود النصف الأول من القرن العشرين، منطقة جذب وتمركز لليهود المصريين بتجارتهم وسكناهم.
وبينما سكن فقراء اليهود ومتوسطو الحال منهم مناطق عابدين والموسكى وباب اللوق وباب الشعرية، وسكن الأثرياء منهم العباسية والزمالك وجاردن سيتى، فإن الفئة التى سكنت المعادى من اليهود كانت الفئة التى جمعت بين الثراء والتعليم الراقى والمهنية، فضلاً عن الألقاب كالبكوية والباشاوية، فهم الطبقة التى تملك المال، والتى تيسر لها الحصول على تعليم رفيع المستوى فى مدارس الأجانب، وبالتالى فهم يجيدون اللغات الأوروبية جنباً إلى جنب مع العربية، وهم الذين يشغلون المناصب الرفيعة فى البنوك والمؤسسات التجارية. وأغلب هؤلاء كانوا وافدين قبل أجيال من شمال المتوسط إلى مصر فراراً من التضييق على عائلاتهم لكونهم يهوداً، فكانت فى الغالب الإسكندرية ممراً محتفياً بهم كى ينتشروا منه فى أرض مصر.
حتى عبادة اليهود وطقوس موتهم عرفت لها مكاناً فى المعادى. فوفقاً للتاريخ الحديث الموثق للمعادى فإن المعبد اليهودى القائم بالمعادى فى التقاطع بين شارع 13 وشارع عرابى (موصيرى فى الماضى)، واسمه معبد بايتون، نسبة لمؤسسه ماير ياهودا بايتون، قد أسس عام 1934 ليصبح بذلك أول دار عبادة تقام فى المعادى على الإطلاق.
بعدها بخمسة أعوام تم بناء مسجد الفاروق بالمعادى، وهو أقدم جامع ومؤسسة خدمية إسلامية بالمنطقة، ثم جاء إنشاء المعهد الإكليريكى الكاثوليكى عام 1953 ليصبح حى المعادى أقرب شىء لدولة صغيرة متعددة الأعراق والعقائد.
اعتاد معبد بايتون فى كل عام أن يحتضن احتفال اليهود المصريين والأجانب بعيد الغفران (يوم كيبور) فكانت تضاء أنوار المعبد ويكتظ بأبناء الطائفة الطالبين الصفح والغفران وتغيير أقدارهم فى صبيحة العيد. لكن بوقوع العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 كان على اليهود من حَملة الجنسيات المزدوجة (مصرية وبريطانية أو مصرية وفرنسية) أن يغادروا مصر مخلِّفين وراءهم ممتلكاتهم. وبهذا تقلص عدد أبناء الطائفة بشكل ملحوظ واختلف مذاق يوم كيبور.
وبحلول العام 1965 وقبل النكسة بعامين، كان عدد أبناء الطائفة اليهودية المصرية قد تقلص إلى نحو 4000 فرد، وهى الطائفة التى كانت قد وصلت إلى 80 ألف فرد فى أوج حضورها فى المشهد المصرى. ثم وقعت واقعة النكسة عام 1967 لتكون بداية نهاية الوجود اليهودى على أرض مصر.
اليوم إذا ما قررت العبور بتلك المنطقة المحيطة بالمعبد اليهودى فى المعادى لن تجد مصلين متوجهين إلى المعبد، وعلى الأرجح لن تجد أنواره مضيئة، لكنك بالقطع ستجد المبنى وقد وقف منهكاً محتفظاً بالكثير من أصالته، وقد اجتهد اثنان أو ثلاثة من عساكر الداخلية لحمايته من أى خطر محتمل، لا بوصفه دار عبادة أساساً وإنما بوصفه أثراً من آثار المنطقة.