الغزوة الكامنة..!

كان وقع أحد «محددات» النشر، التى أعلنها المركز القومى للترجمة، ضمن شروط ترجمة أى كتاب من خلاله، متجاوزاً لمعنى المفاجأة أو حتى الصدمة.. و«أعمق» من أن يتم اختزاله فى كونه مجرد تعبير عن «إخفاق»، أو «محدودية رؤية» لبعض من موظفى الأجهزة الثقافية.. لفكرة الثقافة، والفكر. بند أو سطر واحد، يتحدث عن وجوبية عند ترجمة أى كتاب «ألا يتعارض والأديان والقيم الاجتماعية والأخلاق والأعراف».. الحقيقة أن الدلالة المفزعة المتضمنة فى البند «رشقت» كالسهم فى عقل أى مشتغل بالفكر أو الثقافة وحتى لو كان مجرد مهتم أو متابع.. متذوق أو مجرد هاو.. لم يكن صعباً أن يضطر المتابع إلى العودة إلى استعادة ألف باء معنى الثقافة والفكر وكيف لا يتسق مضمونهما مع ما يشبه المدونة السلوكية المدرسية المتضمنة فى الشرط الوجوبى لمركز فكرى، ركنه الأساسى فتح النوافذ على الفكر. الفكر الذى لا يحيا ولا يتلاقح إلا فى «براح» عقلى.. المعارف الإنسانية الكبرى، عندما نتكلم عن الفلسفات الكبرى من أرسطو إلى مثالية كانط وفلسفة هيدجر إلى وجودية سارتر والماركسية، وغيرها كيف يراها السادة «المحكمون» الذين أعلمتنا مسئولة مركز الترجمة أنها تشاورت معهم؟ وهل تتسق نظرية النشوء والارتقاء لداروين، التى تُرجمت منذ ما يقرب من قرن والمعيار الذى أعلنه المركز؟

لقد عددت مداخلات العارفين، عشرات الأسماء والمؤلفات التى وفق معيار مركز الترجمة الفريد، لا بد من إخراجها من منظوماتها المعرفية «المعتبرة» بمعيار مركز الترجمة، من الإلياذة والأوديسا إلى ألف ليلة وليلة وأشعار أبونواس، ولا أريد أن أزيد، لكن القضية الحقيقية والمفزعة فعلياً أن تستشعر أن شيئاً أشبه «بمدونة السلوك» هى المعيار الحاكم الفضفاض، الكامن، والمتحين للوثوب، ليس ‏فقط على ركائز المعرفة والإبداع الإنسانى بما فيها التراث الإسلامى نفسه، بل على «وعى وعقل» مصر، فى أكبر عملية وأد وفى لحظة من أدق لحظات مسارها.. المسلمات، أو ما يمكن تصور أنه مسلمات، عليك أن تعود إليه لتسأل عن الفرق والحدود الفاصلة بين معيار الفن فى لوحة أو تمثال أو رواية وبين أفكار الفضيحة والاتجار بالجسد.. (القيم والأعراف والأخلاق ومعارضة الأديان) بهذا المعيار يمكن أن تحاكم أحمد لطفى السيد وإسماعيل مظهر وعبدالرحمن بدوى، مترجمى أرسطو وداروين وسارتر، وأن تنزع محمود سعيد من عرش اللوحة وأن تغطى أو تحطم تراث النحت الفرعونى الذى برع فى تجسيد ثنايا الجسد الإنسانى ونتوءاته.. وأن تحرق دعاء الكروان والحب الضائع لطه حسين، ففى العمل الأول مراودة غير أخلاقية لا تتفق والأخلاق المصرية وفى الثانى علاقة ترفضها أعراف الأسرة المصرية! (ولن أتطرق لمعركة الشعر الجاهلى) ولا إلى مرافعة النيابة التى فى معايير اللحظة هيهات لنا! خذ أو هات لى، روايات نجيب محفوظ، ونطبق معيار المركز القومى على الأقل زقاق المدق واللص والكلاب، وبأقل جهد تستطيع أن تستشرف النتيجة!

كل ما تفخر به مصر من نتاج العقل والوجدان، بضربة واحدة من معيار الأعراف والأخلاق يمكن نسفه!

هات ما شئت مما استقر عليه العقل الإنسانى والوجدان على أنه أعمدة التراث الإنسانى، وأتحدى ألا ينسفه هذا المعيار الفذ والفريد الذى بلوره معيار مركز الترجمة، والذى لا أراه مجرد «زلة» إدارة وظيفية، يصلحه أو يداويه تغيير سين من الناس بصاد، لكن أضعه فى سياق أخطر، مقنّع، (من القناع)، ومقنع للعامة، يتمدد ويتوسع، ويخلط الموازين، ويسعى «لأحادية» الحكم فى كل المجالات، يعنى مفتاح واحد يفتح به كل الأبواب.. يعنى يزن الفن بعيار الدين ويكيل الفكر بمكيال الأخلاق، ويُحد من براح العقل ويرهب أى نزعة نقاشية أو نقدية.. الإخوان وهيمنتهم وأهدافهم نحن واعون بها، ومن السهل انكشافهم، لكن المعضلة هى «الغزوة الكامنة» المتسربلة بكلمات الأعراف والأخلاق والتقاليد.. وكما بدا الأمر فى لحظة أن مصر لم يدخلها الإسلام إلا مع الثمانينات، يبدو أنها لم تكن تعرف الأخلاق والأعراف والتقاليد إلا فى عشرينات الألفية الثانية!