«عاشور العثمانلى».. وذكاء المصريين
الضرائب ليست مجرد تشريعات وأرقام، ولكنها قبل ذلك سياسة لأنها تمس مباشرة حياة الناس وأرزاقهم، والإحساس بأن الضريبة واجب وطنى يتطلب أن يشعر المواطن بالعدالة فيما يتحمله من ضرائب، لذلك تعد العدالة أحد مقومات أى نظام ضريبى حديث.
وتقوم فكرة العدالة الضريبية على أساس أن يدفع كل مواطن نصيبه العادل من الضريبة. ولأن العدالة المُطلقة لا تتحقق إلا فى المدينة الفاضلة، لذلك يتعامل المسئول مع العدالة من زاوية أكثر واقعية، فيسعى للوصول إلى أقرب صورة منها حتى لا يتولد لدى المواطن شعور بعدم الرضا والرغبة فى التهرب من التزاماته الضريبية.
ويحدثنا التاريخ أن بعض الشعوب اختارت سلاح المقاطعة والمقاومة الشعبية، كما رأينا فى مقالنا السابق ما قام به سكان المستعمرات الأمريكية لمقاومة الضرائب المتعسفة التى فرضها المستعمر البريطانى حتى تحقق لهم الاستقلال، بينما شعوب أخرى استخدمت الحيلة «والفهلوة» للتخلص من الضرائب التى أثقل بها المستعمر كاهلها.
واليوم ونحن نُقلب صفحات التاريخ الضريبى نتوقف عند فترة الاحتلال العثمانى لمصر -وأقول احتلالاً لأنه لم يكن غير ذلك- فمن نهب ثروات المصريين وألغى العملة المصرية الثمينة لتحل محلها العملة العثمانية الأرخص، ما أفقد المصريين ثلث القيمة الشرائية لأموالهم، ونقل علماء مصر وعمالها المهرة لإسطنبول، وأعادها للخلف سنوات عديدة، لا يمكن إلا أن يحمل صفة المحتل. وإلا فلماذا قاومه المصريون إلى حد قيام القوات العثمانية بقنصهم بالرصاص من أعلى مآذن مساجد القاهرة؟
ولأن المصريين حتى إن بدوا مستسلمين لغباء المُحتل، فإنهم يملكون الوعى الذى يجعلهم يحسنون التصرف فى مواجهته، وهو ما سجله التاريخ فى رد فعل المصريين على كم الضرائب التى فرضها المُحتل العثمانى. هذا المحتل الذى ابتكر العديد من أنواع الضرائب التى ساهمت فى تردى الأحوال الاقتصادية للمصريين، مثل الضرائب على إنتاج الأرض والمحاصيل بنسبة 10٪، وعلى الذكور من 16 عاماً، ورسوم تنوعت ما بين جمركية وغيرها من أنواع الضرائب المُختلفة والتى أدت إلى شعور عام بالظلم، خاصة أن المستعمر العثمانى كان يقوم بتحويل الأموال خارج البلاد.
والغريب أنه لم ينج من تلك الضرائب غير الملح، حيث صدر مرسوم بفرض الضرائب على كل السلع ما عدا الملح الذى يسمى باللغة التركية طظ Tuz، وكان يطلق على المسئول عن جمع الضرائب (العشور) لقب عاشور.
وهنا اختمرت الفكرة فى عقل المصريين للتحايل على تلك الضريبة المفروضة على التجارة، فكان جامع الضرائب، «عاشور»، يذهب إلى التاجر لتحصيل الضريبة، وكلما فتح أحد الأجولة الموجودة لدى التاجر يجد فيها ملحاً، فيقول له التاجر بثقة: «طظ يا عاشور» أى أن الجوال فيه ملح.
وبعد فترة، وجد مسئول الاحتلال أن حصيلة الضرائب صفر رغم أنه كان يرى حركة التجارة منتعشة، وعندما سأل، أخبره موظفوه بأن كافة التجار تحولوا إلى بيع الملح!!
كان المصريون يملأون الأجولة بالذرة أو القمح أو غيرها من السلع التى تخضع للضريبة ثم يضعون فى الجزء الأعلى من الجوال الملح المعفى من الضريبة، وباتت تلك الطريقة هى الوسيلة الفعالة فى الهروب من الضريبة.
هذه القصة الطريفة كانت بداية الخيط للتحايل على الضريبة بشكل عفوى ومن دون ترتيب، يمكن أن تحكيها وأنت تبتسم، ولكنها فى رأيى ذات مغزى عميق لممارسى العمل الضريبى.
فلن يرفض شخص شعر بقيمة ما يدفعه من ضرائب -وقد عادت له فى صورة خدمات له ولأسرته- دفع الضريبة حتى لو على مضض. وفى حقيقة الأمر فإن للضرائب دوراً هاماً فى تحقيق العدالة والتنمية، وليست مجرد أموال تُجمع، فإذا عرفنا كيف ننشر الوعى الضريبى ونربى الأجيال القادمة على أهمية الضرائب، وليكن ذلك من خلال وسائل مبسطة وجذابة كما فعلت دول أخرى فسوف نصدر إحساساً عاماً بأن الضريبة واجب وطنى وأنها فكرة قائمة على مشاركة الفرد للمجتمع فى التنمية.
هذا هو ما نحتاجه حالياً حتى لا يسمع مسئولو الضرائب كلمة «طظ يا عاشور» بأى صورة.
نستكمل الحكايات المقال القادم.