أنا مش عميقة!
بعض النقاد قادرون على قتلنا بدم بارد!
هذه هى القاعدة المخيفة.. بعض محترفى النقد أو هواته قادرون فعلاً على قتل رغبتنا وقدرتنا على الإبداع المكتوب أو المرسوم بمنتهى القسوة والرعونة فى آن..
يقرأون ما تكتب، فيمتعضون ويقلبون وجوههم ويبدأون فى التحدث عن النظريات التى لا يطابقها إبداعك أو المعرفة التى كانت تنقصك كى تخرج أعمالك للنور ثقيلة بما يكفى ومرضياً عنها.
قد يلتفت هؤلاء لموهبتك، لكن ما يعنيهم فى المقام الأول غالباً هو النواقص فى عملك! الثغرات، نقاط الضعف، وعدم مطابقة العمل للمواصفات التى وضعوها.
دائماً ما التقيتُ هؤلاء فى السنوات الماضية، فى عملى الصحفى أو فى مجال الكتابة الإبداعية، فهؤلاء أكثر من الهم على القلب دون مبالغة، يختبئون خلف كل شاشة وبين كل صفحتين، تقلب صفحات كتابك فتجد واحداً ثقيل الظل منهم يطل عليك مما بين الصفحتين ليخبرك كيف أن «القالب الفنى» الذى وضعت فيه إبداعك لا يتلاءم مع المضمون، أو لا يتطابق مع ما كُتب على الغلاف من تصنيف فنى أو أن الكثير من النضوج والمعرفة وتركيز الأفكار يلزمك كى يكون لك الحق فى الكتابة على الإطلاق.
وهكذا يطلق هذا الفصيل من النقاد الرصاص بابتسامة سمجة على كل محاولاتك للتعبير عن نفسك باللغة التى تلائم مزاجك وفى القالب الذى يلائم حروفك أو حتى بلا قالب على الإطلاق، كم من مرة صرختُ فى أمثال هؤلاء: يا جماعة والله لقد وُجدت الكتابة قبل أن توجد «تكنيكات الكتابة» ووجدت الصحافة قبل أن توجد «فنون الصحافة»، فاصمتوا بالله عليكم يرحمكم الله!
ثم مَن قال إن الكتابة منتهى التحصيل المعرفى؟ مَن قال إنهما ليستا عمليتين تسيران بالتوازى: أعرف، أتعلم، أقرأ، أراكم وأعيش وبالتوازى مع سجل أفكارى وانفعالاتى وتأملاتى وأشارك هذه الأفكار والانفعالات والتأملات مع قراء محتملين.
الكتابة فى نهاية المطاف فعل اجتماعى، نتواصل عبره ونتبادل الرسائل والمعارف والوجدانيات ونوثق اللحظة والانفعال، فما المانع فى أن أسجل لك لقطة سخيفة؟ أو أن أرسل لك رسالة إنسانية ضعيفة؟ إن كنت ناشراً، فإن لك كل الحق فى اتخاذ موقف بعدم نشر «هرائى»، وما عدا ذلك، فليس لك ولا عليك أن تشتبك مع نصوصى من الأساس!
والحقيقة أنى كلما هممت بإنجاز مشروع مكتوب جديد، سواء كان أكاديمياً أو صحفياً أو إبداعياً، استرجعت السخافات الكثيرة التى تلقيتها من نقاد متحذلقين أو مراجعين أو مناقشين أو معلقين ممن تعاملوا مع المسودات الأولية لاجتهاداتى أو حتى مع تلك الاجتهادات فى صورها النهائية وتداعت إلى ذهنى كل تلك الأفكار.
وتحيلنى تلك الحالة فى مجملها إلى فيلم «هوس العمق» القصير المأخوذ عن قصة الكاتب الروائى الألمانى باتريك زوسكيند (الفيلم إنتاج 2007، بطولة يسرا اللوزى).
يدور الفيلم حول «البنوتة» الحُلوة التى تقيم معرضها الأول للفنون التشكيلية.. فى يوم افتتاح المعرض يمر بها الناقد المشهور فلان الفلانى ذو البطن المتكور الضخم والعوينات السميكة، ليثنى على موهبتها الفطرية وبكارة ريشتها، خاتماً تعليقه بأن أعمالها وإن كانت حيوية، فإنها «مفيهاش عمق».
ومن هنا تبدأ مأساة الفنانة الشابة التى تعيشها ونعيشها معها فى دقائق مكثفة جداً كلها إحساس بالحيرة والضياع والبحث عن «العمق» المفقود، خاصة بعد أن نقلت صحف اليوم التالى رأى الناقد الشهير، وتناقلته ألسن المهتمين والهواة وسواهم من مرتادى معرضها ومتابعى حركة الفنون التشكيلية.
تبدأ حياة الفتاة فى التفتّت وهى تجوب المعارض سائلة مرتادى الفنون التشكيلية الواقفين بإعجاب أمام لوحات كبار الفنانين: «لو سمحت.. هى اللوحة دى عميقة؟»، بل وتبدأ الفتاة فى إعادة تعريف نفسها وتقديم ذاتها للآخرين: «أصل أنا مش عميقة!»
ثم نراها فى مشهد لاحق تدخل أحد محلات بيع الكتب وتطلب من البائع أن يعطيها «أعمق كتاب» عنده، فيقول لها مبتسماً بخبث ونظرة من يحيط بغوامض الأمور: «طلبك عندى» ويناولها كتاباً يزن 3 كيلو أو يزيد! وتستمر الفتاة فى البحث عن العمق المفقود فى إنتاجها الفنى إلى أن تفقد عقلها وتمشى فى الشارع مهوشة الشعر، ثم تنتهى المأساة الساخرة بانتحارها، والقفلة تكون مشهداً للناقد أبوكرش ونضارة إذ يقرأ خبر انتحار الفتاة ممتعضاً مستنكراً هشاشتها.
وهنا أحب أن أذكّر نفسى وإياكم بمقولة صديق عزيز لى يستقوى به قلمى فى وجوه النقاد، إذ يقول إذا ما كاد ينال هؤلاء منى: «ليس للقاعد عن الجهاد أن يزايد على المحارب يا سلمى.. وهؤلاء قواعد يقتاتون على هدم ما نبنى لا على تهذيبه وتحسينه كما يدّعون».
كما أحب -أخيراً- أن أؤكد لكل النقاد من ذوى البطون المستديرة والعوينات، أننى لا أنوى الانتحار بحثاً عن العمق الذى تهذون به!