الطريق إلى إثيوبيا (4)

مع سبق الإصرار والتوتر

لم يكن الفندق يبعد عن المطار أكثر من ساعة، خاصة أن نصف الوقت الذى قطعته السيارة كان ببطء شديد نظراً لوعورة الطرق الفرعية، فى حين أن الطرق الرئيسية على درجة كبيرة من الجودة والحرفية، لذا لا مجال للمقارنة بين الرئيسية والفرعية.

أول صدمة سيقابلها أى إنسان لحظة وصوله لهذا البلد الأفريقى المعتز بعراقته، هو الزمن، الذى يختلف تماماً عن زمن بقية الكرة الأرضية، فلهم تقويم مختلف، وساعة مختلفة، وطريقة لإدارة الحياة مختلفة.

كان عجيباً مشهد طوابير الناس أمام محطة ميكروباص عادية فى شارع جانبى، طابور واحد يقف فيه الرجال والنساء، الكبار والشباب، لا أحد يحصل بسيف الحياء على غير حقه، ولا أحد ينتزع بسيف البلطجة حق غيره.

الحياة فى مجملها تنقصها الحضارة، لكن الناس يتعايشون، المساحات الأغلب حول الفندق من الصفيح، ومن المشاهد التى ستعتادها أن تجد مبنى حديثاً للغاية، يرتفع عشرين أو ثلاثين طابقاً، ولن ترى من خلف زجاجه سوى غابة من الصفيح.

الكهرباء فى الغالب مقطوعة فى الشوارع والمنازل، والفندق يستخدم مولدات أغلب الوقت، هى الفترة نفسها التى عشناها فى 2012، ولم نتحملها فقمنا بثورة لتصحيح الأوضاع، لكن هنا فى أديس أبابا لا أحد يقوم بثورة ما لم تخدش قبيلته، أما عدا ذلك فلا حركة سوى السعى نحو الرزق.

فى اليوم الأول قررت أن أتعرف على تلك المدينة المجهولة، فأنهيت عملى وذهبت إلى الفندق واستبدلت ملابسى، وبدأت فى السير فى الشارع، لكنى فوجئت بأن الحياة الصاخبة السريعة التى ألفتها فى ساعاتى الأولى تبخرت، فقد أوشكت الشمس على الغروب، وهو موعد انصراف الأغلبية الكاسحة للمنازل.

استوقفنى رجل يدعونى لدخول محله، كانت ابتسامته تدعو للاطمئنان، وأخبرنى بأن لديهم مأكولات ومشروبات سعودية وعربية، ومن باب العلم بالشىء، وافقته، فقادنى عبر ممر ضيق إلى ساحة كبيرة بداخل البيت الصفيحى، وفى الساحة أبواب عديدة، لكن أكبرها هو ما فتحه أمامى.

كان مطعم فعلاً، لكنه مرقص أيضاً وبار وقهوة ومكتبة، و«سبا» وأشياء أخرى، هذا ركن من يريد الأكل وهذا ركن لمن يريد الشرب وذاك ركن لمن يريد القراءة، وذاك لمن يريد المجالسة، وفى النهاية سرير لمن يريد المساج.

ليس من طبيعتى المغامرة، وإن كنت أحب معرفة نهاية القصص، لكن بحذر، فقررت أن أختار مشروباً لا جدال حول مكوناته، والأهم أن تكون العبوة مغلقة، فطلبت بيبسى، فهز رأسه وذهب، وبعد قليل جاءت عاملة تدعى إجنا، أحضرت ما طلبته، ومعها قائمة الطعام، وحاولت نطق بضع كلمات بالعربية باللهجة السعودية، فتأكدت أنهم يعتقدون أننى سعودى، وهنا تملكنى الفضول، ماذا سيكون رد فعلهم لو عرفوا أنى مصرى.

كانت هذه الرحلة بعد أكثر من عام على اجتماع الرئاسة الكوميدى الذى ندفع ثمنه حتى الآن، وكانت أصداؤه ما زالت حاضرة فى الأذهان، خاصة أن الحكومات الفيدرالية والمحلية والأحزاب ظلت تعيد إذاعة الاجتماع أكثر من مرة فى اليوم الواحد، على مدار أسابيع، وأنه ترجم لنحو 15 لغة ولهجة إثيوبية.

سألت «إجنا» بصراحة، هل تعتقدين أنى سعودى، فاندهشت من السؤال، واعتقدت أنى أختبر ذكاءها، فقالت بالطبع أنت سعودى، طريقة نطقك للإنجليزية تدل على أنك سعودى، فقلت لها أنت حادة الذكاء، لكان ماذا لو أخرجت جواز السفر واتضح لك أنى عراقى مثلاً، فتعجبت وقالت يعنى إيه عراقى.

شجعنى رد فعلها أن أخبرها بالحقيقة، فقلت لها أنا لست سعودياً ولا عراقياً، وهى بالمناسبة دولة عربية لها حضارة عريقة، لكنى مصرى، فحلت ابتسامة المصدوم محل ابتسامة الواثق على وجهها.

وضعت «إجنا» ورقة الحساب على الطاولة 16 بر إثيوبى (الدولار يساوى 37 بر إثيوبى) تركت 20 بر، وهممت بالانصراف لكنها استوقفتنى وأصرت على أن تعيد لى البرات الأربعة وعلى وجهها ابتسامة مصطنعة.

لم ترتبك «إجنا»، ولم تنفعل، ولم تعاملنى بلؤم، لكنها استسلمت لموجة عدم الثقة، وحالة الغضب التى تملأ الهضبة الإثيوبية، وتمت تغذيتها بقوة، مع سبق الإصرار والتوتر.