الفواتير المؤجلة!
لا تتوقف حركة المجتمعات عن الدوران، والدوران ليس معناه إشارة إلى اتجاه الحركة، للخلف أو الأمام، ولا إلى قيمة أو ما ينتج عن الحركة، حتى حين نتوهم «الثبات» يكون الدوران والتغير... الإدراك الآنى للدوران يعنى ببساطة معرفة إلى أين تتجه، ويمنح الفرصة للضبط والإصلاح ومجابهة ما هو عوار فى الطريق.. مضت بمجتمعنا عقود لم نعِ خلالها أن أقدامنا «تغوص»، عقود تواجهنا الآن «فواتيرها المؤجلة» على كل مستوى، ومن وجهة نظرى البسيطة أن «الفاتورة الاجتماعية» من الثقل بحيث تحتاج إلى الى «تفكيك»، يحتاج إلى تأنٍّ وتشخيص.. فى الفاتورة الاجتماعية، صبت كل التشوهات والاندفاعات غير المحسوبة، من الاقتصاد إلى السياسة والدين.. على السطح تطفح ظواهر لا نريدها أن تُفقدنا الثقة فى صحة ومتانة الجسد، لكن بحاجة إلى مشارط علماء الاجتماع، وليس أى أساتذة للاجتماع.. نحن بحاجة لمن يجمع ما بين التخصص العلمى والدراية بمصر سياسة وتاريخاً وحتى الفن.. نحن بحاجة إلى علماء على شاكلة أستاذنا الجليل الدكتور سيد عويس (١٩١٣ - ١٩٨٩).. كان سيد عويس فى مقاربته لأحوال المجتمع المصرى لا يشبه أى عالم فى علم الاجتماع، يضع أمامه ما يبغى تأمله ودراسته من ظواهر، ثم يمسك بأدواته ليحللها، لكنه كان له خصائص أخرى، وأكثر ما كان يميزه على المستوى الشخصى هو «هالة» الحب المقترنة دوماً بهذا التعامل، مهما كانت الظواهر تشير إلى سلبيات أو إيجابيات.
ولقد أهدتنى ظروف العمل الصحفى فرصة تعلم نادرة منذ أول سبعينات القرن الماضى، لما كنت أتردد على الدكتور سيد عويس، بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية، بالدقى، وحتى رحيله، ما يقرب من عشرين عاماً، كانت إجاباته عن أى أسئلة تعكس أمرين: أولهما سند من الخبرات الذاتية الحقيقية، نهلت من منابع حياتية شتى، وشكلت مع السند المعرفى زاداً وزواداً لم يكن لينافسه فيهما اسم آخر من الأسماء، ثم حالة أقرب إلى «صوفية» المقاربة وهو يتعامل مع المجتمع المصرى، بمعنى الحب، والتواضع، وهدأة النفس، وهو ينير لنا الطريق. لم يكن لتزعجه أبداً أى ظاهرة مهما بلغ جنوحها، بل كان يتسلح بقدر عظيم من «التفاؤل»، التفاؤل القائم على دراية بالتاريخ الطويل العميق الذى قيّض للمجتمع المصرى أن يحمله فوق ظهره، طبقات ورقائق، ولعل نفس هذا المعنى اختاره العالم الكبير ليصدر تحت عنوان «التاريخ الذى أحمله على ظهرى»، سيرته الذاتية الشديدة الخصوبة، فهو الذى آمن بالتجربة الذاتية واعتبرها محركاً أساسياً دافعاً للكشف عن الأفكار والابتكار، والانفتاح على العوالم المتباينة، وهو الذى صعد سلم مقاربة المجتمع من أول الدرجات، بادئاً، بعد حصوله على درجتى الماجستير والدكتوراه من أمريكا، من مجرد باحث اجتماعى ومدير لمؤسسة العباسية للأحداث، وحتى شكلت بحوثه وحضوره المعرفى «ضميراً» حياً للمجتمع المصرى الذى هام به حباً وأبدع فى نظريات تحليله لمدى لا يشبهه فيه أحد، متوقفاً عند ثنايا كان فيها رائداً بحق. غزارة الإنتاج العلمى لم تحل عنده أو لم تشكل تهديداً «للقيمة»، وإحساسه وشفافيته فى التعامل مع ظواهر المجتمع المصرى غلفا رصده العلمى، وقاداه إلى مسكوت عنه، فكان دوماً أشبه «بالفاتح»، الجسور فيما يخوض، دون أن يتخلى عن الحب الذى هو الأساس. فى كتاب شهير له عما يكتبه سائقو المركبات على سياراتهم والذى حمل عنوان «هتاف الصامتين» لم تكن القيمة فقط فى الإفصاح عن دواخل فئة اجتماعية عبر ما يكتبه أصحاب السيارات فوق سياراتهم، ولكن فى إدراك أن ما يدونونه فوق السيارات إنما هو حصاد لصمت يتجاهلهم ولا يرى أوجاعهم، ومن الإسكندرية إلى أسوان كان مسرح دراسة فريدة، لا أعرف إلى أين يمكن أن تقود لو أعيد بحث نفس الموضوع عبر المركبات الفارهة والتوك توك! وماذا سوف نستخلص من جديد، وماذا يعنى استمرار نفس الظاهرة فى مجتمع نمت فيه أدوات التعبير و«الهتاف» كما أطلق عليه عالمنا المحب الكبير، وكيف كان سيرى لغة وفنون مركبات الأجرة، وعوالم الهامش الذي كف منذ فترة عن أن يكون هامشاً، بل أصبح أصلاً متسعاً يشمل أكبر مساحة من الوطن.
حمل سيد عويس تقديراً للمرأة اقترب خلاله بها إلى درجة القداسة، وكان إن ذهبت إليه وطرحت عليه أى سؤال عن المرأة، كان لا بد أن يبدأ من «أول السطر».. من إيزيس، ويجد الرابط عبر التاريخ، وتتالى الأسماء من إيزيس إلى مريم العذراء وحتى السيدة زينب، ولا مانع من أن يعرج على شجرة الدر قبل أن يتوقف عند ما تبغيه من نظرة معاصرة. تقديره واحترامه لدور المرأة كان جلياً فى كل ما تناوله من دراسات، بعضها كاد أن يؤنث الكون على غرار الصوفية، ولعل نظرته المنصفة لها، والخالية من أى تزيُّد أو زيف، كانت تجعله يراها فى هذا الامتداد المصرى الأصيل بعيد الجذور القادم من البعد الفرعونى العتيق الذى مكّن المرأة، ابنة وأماً وزوجة، وتوّجها على رأس البلاد.. كان هذا فى حسبانه الأصل المصرى الخالص لرؤية المرأة، قبل أن تمر على البلاد راقات من الفكر الذى غيّر أو مسّ النظرة، تُرى لو كان بيننا كيف ستكون رؤيته؟
كقارئ للمجتمع المصرى كانت لسيد عويس وقفة عند «القهر» فكرة ومعنى وتاريخاً وأنواعاً وتجليات، أتت على المصرى ودفعته إلى أسلوب أشبه «بالتقية» على مدى الحقب المتباينة، القهر يولد صنوفاً من الخواص والسلوكيات شكلت أحد المفاتيح، وجعلت من الشخصية المصرية مرتعاً لصفات لم نكن لنراها إيجابية، وكان رحمه الله يستخرج منها ما يفسر أموراً لا يستطيع الغير إدراكها بسهولة. فى مرة سألته عن علاقة المصريين بعضهم ببعض، كيف يشوبها نوع من عدم التعاطف، أو عدم حب الخير، أحدهم للآخر، وكان تفسيره أن المصريين لم يكن ليتبقى لهم من «الكعكة» إلا فتاتاً، يُترك لهم أحياناً وأحياناً لا، وهؤلاء «بشر» وللبشر خواص تفرضها طبيعتهم، فلما يجد الواحد منهم أن الكعكة أو ما تبقى منها محدود وصغير ولا يكفى، يكون «النظر» إلى ما فى يد الغير مشفوعاً بحسد أو العكس، يخشى من حصل على الفتات من الحسد. هنا استحضار «التاريخ» و«السياسة» إلى ميدان الاجتماع يكون ضرورة للإدراك الأوسع. لكن أبداً لا يمكننى أن أغفل عن غلالة «الحنو» التى كانت دائمة مصاحبة لأى كلام عن انحرافات الصغار الذين استهل حياته العملية وسطهم، أو الأحداث الذين عمل معهم منذ شبابه وظلوا «هماً» من الهموم التى يحملها فى الرواح والغدو، والتى زودته تجربته معهم بخبرة نادرة صاحبته من مؤسسة العباسية وحتى آخر يوم. و«التجربة الذاتية» دوماً حاضرة فى مقاربة بحثية، وقراءته للمجتمع المصرى، الذى كان يصفه «بالموسوعة الكبرى»، كانت ترى فى هذا المجتمع قدماً واستقراراً يقاوم، بالمعنيين الإيجابى والسلبى، والمحور الأهم كان «الاستمرار». الاستمرار كان وراء لمحة التفاؤل التى كانت ملازمة دوماً له، لم يكن لينزعج ولا ينفعل إزاء أى ظاهرة نراها معكرة للصفو، وكان مؤمناً بأن مصر قادرة على اجتياز أى مصاعب، استناداً إلى عمق التاريخ، فعلى بواباتها تحطمت إمبراطوريات أو اضطرت للاندماج، وكان رأيه أنه صحيح هناك من استعمرنا من الأجانب، لكن مصر احتلت عقولهم. بقى أمر لا أحسبه ثانوياً من خبراتى المتواضعة مع الدكتور سيد رحمه الله. كان من المستحيل أن تدرك هويته الدينية، صحيح أنه فى تلك السنوات لم يكن من المطروح أصلاً هذا الموضوع، لكن حقيقة شخصيته، وقاموسه، وسياقات الكلام، كانت تجعلك تشعر أنك أمام قديس تارة أو أمام صوفى تارة أخرى.. كان يملك نزعة إيمانية «بمصر».. وكفى.. لكم نفتقد تيار «سيد عويس» دليلاً فى لحظة فواتيرنا المؤجلة.