الطريق إلى إثيوبيا (5) «ما فيش حاجة بتستخبى فى أديس أبابا»
لم يكن فى نيتى أن أكمل كتابة الرحلة، وكنت قد عزمت على الاكتفاء بهذا القدر من الكتابة التى ترقص حول حلقة نار، فلا أنا أريد أن أخدش صفو علاقة مجروحة الثقة، ولا أريد أن أضمد جرحاً يحتاج إلى تطهير. كانت غاية ما أتمنى أن أعكس وجهة نظر ترى أن فى إثيوبيا شعباً يحب الحياة، على طريقته، لكنه مصاب بحساسية من نوع خاص تجاه المصريين، الذين هم أيضاً شعب يحب الحياة على طريقته، لكنه لا يحمل أى حساسية ضد أى من شعوب الدنيا سوى الغزاة المحتلين.
انتهيت من (إجنا) الفتاة المتوترة، وتجولت قليلاً فى شوارع شبه مظلمة، كانت أغلب الإضاءات قادمة من دكاكين لبيع النبيذ يجلس على مدخل كل دكان ثلاثة أو أربعة رجال ونساء، يتسامرون، وكأنه تجمع مصرى فى إحدى شرفات الحلمية. لفت انتباهى أن أكثر السيارات التى تسير فى الشارع ماركة تويوتا، الميكروباصات، الملاكى، الأجرة، النقل، لذا فنحن نشترك معهم فى حب هذه الماركة، وإن كانوا هم أشد ضراوة، لكن ووسط الزحام الخانق فى أغلب أوقات اليوم، ما زال رجل المرور لديه احترامه، وهو أمر فقدناه منذ زمن بعيد. ليس صعباً أن تلاحظ حجم الوجود الصينى الكثيف فى كل مناحى الحياة فى العاصمة أديس أبابا، سواء فى اليفط بالقرب من المشاريع الجديدة (كبارى، أنفاق، طرق سريعة، مبان عملاقة، محطات كهرباء، محطات سكة حديد.. إلخ). أو فى وجوه الناس فى الشوارع، حيث يمشون مجموعات، وطيلة الأيام الثلاثة التى قضيتها فوق الهضبة الإثيوبية، لم أجد صينياً واحداً يمشى وحيداً، وقتها تذكرت نصيحة أحد السادة الأفاضل مندوبى هيئة الاستعلامات، الذى نصحنى بهذا الأمر ضمن نصائح عديدة، مثل عدم السهر خارج الفندق وعدم الاعتماد على الشرطة المحلية.
وصلت الفندق، وبدا لى أن موظف الاستقبال كان فى انتظارى، وهو رجل لطيف للغاية، ذلل عقبة أمامى عند وصولى فى اللحظات الأولى، وكانت ابتسامته تشعر بصدقها، لكن هذه المرة كانت مختلفة. اقترب منى وسألنى هل ضايقك أحد أو أهانك فى المطعم، فتعجبت من معرفته ببعض تفاصيل ما حدث، فقال لى بما معناه: «ما فيش حاجة بتستخبى فى أديس أبابا»، فقلت فى نفسى يا ربى أنا سمعت الكلمة دى فين قبل كده!!!. اعتقد الرجل أنى كنت أبحث عن فتاة ليل، وعبثاً حاولت أن أثنيه عن تلك الفكرة، لكن ابتسامة الواثق من نفسه كانت من الأذن للأذن، لدرجة أنه لم ينتبه لكلامى، وأشار إلى إحدى العاملات الممتلئات وقال لى هذه لو أعجبتك سوف أرسلها لك بـ60 دولاراً، فتركته وانصرفت فقد يئست من إقناعه بعكس ما يعتقد. فى اليوم الأخير وبعد تجهيز الحقائب وقفت أمامه مرة أخرى لأتمم الإجراءات، فقال لى بثقة عمياء، لو كنت أخبرتنى أنك تريد النحيفة لأرسلتها لك بـ20 دولاراً فقط، نظرت إليه ولم أنطق بكلمة، لأنه حتى بعد المحادثة التى سبقتها وبعد أن ذهبت لغرفتى بخمس دقائق، كانت العاملة تطرق بابى تسألنى إن كنت أريد منها أى شىء، فأنهيت الحوار بأدب وأغلقت الباب سريعاً حتى لا تطيل الكلام. يبدو أن الانطباع الأول صعب تغييره، لذا كان انطباعى عن إثيوبيا جيداً، لأنى لم أجعل موظف الفندق يعكس عراقة بلد، ولم أجعل عاملة المطعم تحدد مسار تفكيرى، لأننا تقريباً متشابهون فى الكثير من الأمور، بحكم النيل الذى يجرى فى عروقنا. لذا كنت أتمنى من العقلاء فى إثيوبيا ألا يكون اجتماع معاتيه مرسى مرآة انطباعهم عن مصر، مصر أكبر من أرزقية وتجار دين، مصر أعظم من سفلة باعوا ذممهم بالرخيص، مصر أبقى من سحابة صيف عابرة.
أنا أؤمن بأن الكثير من رجال السياسة والدبلوماسية فى مصر يدفعون لتغذية العلاقة بماء التعاون، لكنى أشعر أن الحكمة تخاصم بعض رجال الحكم فى أديس أبابا.