"الأوقاف" والشخصية المصرية
ثمة خلط فى الأوراق يجرى فى فضائنا العام، خلط يطول المفاهيم والممارسات، ويقترب من حدود تثير القلق. آخره ما توقفت عنده الأستاذة والزميلة المتخصصة فى شئون التعليم إيمان راسلان وكتبت منبهة إلى أن السيد وزير التعليم قد أعلن عن تعاون مع وزارة الأوقاف لوضع كتاب عن «الشخصية المصرية» للمرحلة الثانوية. أول ما يتبادر إلى الذهن هو السؤال عن علاقة وزارة الأوقاف بموضوع فى جوهره «ثقافى» متعدد الأبعاد، يدخل فى طياته التاريخ والتأثير الجغرافى والأنثروبولوجى والأبعاد البيئية والفنية والاجتماعية وعديد من الثنايا التى أسهمت مع البعد الزمنى فى تشكيل ما يمكن أن نسميه الشخصية المصرية، هذا إذا ما اتفق المتخصصون، وينبغى أن يكون هناك متخصصون، على بلورة وتعريف المقصود بالشخصية المصرية. فعندما تفكر وزارة التعليم فى «التعامل مباشرة» مع أدمغة وعقول الأجيال المصرية فى سياق مسألة ثقافية بهذا التكثيف، ويكون أول ما تفكر فيه وتشرع فى التعاون معه هو وزارة الأوقاف، مع كامل الاحترام والتقدير لمهام وزارة الأوقاف، فمن حق المجتمع أن يفهم الصلة بين كيان مؤسسى مهمته الأولى التى أنشئ من أجلها هى إدارة الأوقاف التى يهبها الناس للخدمة العامة والعناية بشئون المساجد وأئمتها ومختلف تفاصيل إدارتها، وبين مسألة ثقافية كالشخصية المصرية.
مبدئياً هل «الشخصية المصرية مفهوم ثابت، أو متغير، وإذا أردت أن تقدمه فمن أى المداخل؟ من حق المجتمع ورأيه العام أن يحس بالتباس إزاء ما يجرى، من لجوء وزارة التعليم لوزارة الأوقاف فى عمل ثقافى قومى، لأنه إذا كان الدين يشكل جزءاً من المسألة المتعلقة بالشخصية المصرية، فإنه ليس كل المسألة، وحتى فى هذه الجزئية، كان من باب أولى أن يسهم الأزهر والكنيسة مع أطراف أخرى هى صاحبة الاختصاص العلمى فى المجالات المتعددة السابق ذكرها، والتى أشرت إليها فى البداية. وأتصور أن السيد وزير التعليم، وهو أعلم منى، يدرك أهمية الاختصاص العلمى فى مثل هذا السياق، ويدرك أكثر أن نوعية «المقاربة» أو المدخل لقضية بهذا العمق والتكثيف، لا علاقة لوزارة الأوقاف بها، وأن طرحها لا يمكن أن يقتصر على «زاوية» تحولها أو تحصرها من «الشخصية المصرية» إلى جانب يأخذنا إلى مآلات أخرى.
أتفهّم تماماً الحاجة التى دفعت وزارة التعليم إلى التطرق لمحاولة استعدال بعض ما نراه من ظواهر فى الأجيال الجديدة، لكن الموضوع لا أتصور أنه يمكن تنفيذه لا عن طريق وزارة الأوقاف، ولا بهذه العجالة ولا بالاستبعاد لأعمدة التخصصات المتعددة. هذه مسألة «قومية»، وأكرر «قومية»، وأضع تحتها كل ما يمكن من خطوط، لأنه لا بد أن نعى ذلك، لا تقتصر لا على رجل الدين المسلم أو المسيحى، والتعامل معها مدخله ثقافى تماماً والدين ليس إلا جزءاً من حزمة مكونات شكّلت أو انطبع بها «المزاج المصرى».. النيل أثر فى حيوات المصريين، الوادى المنبسط ساهم، المناخ الواضح الخالى من البراكين والزلازل له علامة، الموقع الجغرافى الذى جعل الأرض المصرية معبراً لأجناس عديدة، يمتص المصريون ثقافتهم كقطعة إسفنج، التاريخ الضارب لآلاف السنين، متعدد الرقائق، والمتجاور فى نفس الوقت، الزخم الفنى من العمارة وحتى راقصات المعابد القادم حتى من قبل تدوين التاريخ، العلاقة بالموسيقى، بالإيقاع، بالفن التشكيلى، الذائقة المصرية وعلاقة المصريين بالطعام، ضيق الوادى الأخضر أو «الكعكة الصغيرة» كما كان أستاذنا العظيم سيد عويس يصفها ويرجع إليها كثير من سمات المصريين ولعبت دوراً فى تشكيل الشخصية المصرية. ويمكن أن يطول السياق، لكنها مجرد زوايا لقضية ثقافية، فكيف ستتعامل وزارة الأوقاف وما علاقتها أصلاً بالموضوع، إلا إذا كنا مستمرين فى خلط الأوراق و«كأننا ناقصين»، أو إذا كنا سنكتفى بتسديد «الخانة»، سياسات الرضى الزائف بالعناوين، ونقول بندرّس لولادنا الشخصية المصرية!