أبوظبى الخرطوم القاهرة والعكس (1)

هستيريا على الطائرة السودانية

للسودان مكانة خاصة عند المصريين، وأعتقد أن العكس صحيح، قد يعتقد البعض أن السبب يكمن فى مياه النيل، لكنه لم يجعل علاقتنا مع الإثيوبيين أو الأوغنديين بنفس الدرجة والقرب، وقد يعتقد البعض الآخر أن السبب فى الحدود المشتركة، أو النكبات المشتركة، لكن المؤكد أن العلاقة بين الشعبين استثنائية وغير قابلة للتكرار. كان من المفترض أن تكون مدة الترانزيت فى الخرطوم لا تتعدى الساعة، وهى مدة كافية لاستبدال الطائرة بأخرى تطير بنا للقاهرة، لكن قائد الطائرة ونحن فى مطار أبوظبى رفض الإقلاع بالطائرة بعد أن ظهرت على أحد الركاب بوادر ذبحة صدرية. تأخر الإقلاع فضلاً عن الصيام، أصاب العديد من الركاب بحالة من الغضب الشديد، لدرجة أن بعض الركاب تجاوزوا فى حق الكابتن «السودانى»، الذى لم يهتز للحظة، وأصر على أن يصعد طاقم طبى من المطار للاطمئنان على صحة الراكب «المصرى» قبل المغادرة. أحد الغاضبين جاء إلى رجل مسن يجلس بجوارى، وطالبه بالتحدث مع الكابتن، لكن الرجل رفض بأدب شديد، وأخبر الراكب الغاضب أن حياة إنسان أهم من تأخر عشرات الركاب عن موعد وصولهم، لكن الراكب الغاضب ذهب يصرخ نحو كابينة الطيار ويطرق بابه بقوة وهو فى حالة هستيرية غريبة. قطع هذا المشهد الدراماتيكى المخيف فتح باب الطائرة، ودخول طبيب المطار ومعه طاقم طبى مجهز، وبعد نحو ربع ساعة جاء الإسعاف لنقل الراكب من الطائرة، التى رفضت زوجته النزول منها أو منح موظف المطار معلومات عن حقائبها أو حقيبة زوجها المريض. تعقد الموقف أكثر، عندما طلب الكابتن من الراكب الغاضب مغادرة الطائرة، ومع رفض الراكب، اتصل الكابتن بأمن المطار ليجبر الراكب على النزول، وبالفعل صعد فردا أمن وطلبا من الراكب المغادرة، لنكتشف جميعاً أن الراكب معه أسرة مكونة من زوجة وسبعة أطفال سيغادرون معه إذا ما أصر الكابتن على موقفه. كانت الطائرة كتلة من الغضب المكتوم، فرغم كونها طائرة سودانية فإن أغلب ركابها من المصريين، الذين حجزوا على متن الخطوط السودانية لأن سعر تذكرتها مناسب للعائلات كبيرة العدد، لذا فإن زيادة نفقات أو مدة الرحلة ستمثل كارثة مادية حقيقية على هذه الأسر، فضلاً عن أن أقرب موعد لرحلة متجهة من الخرطوم إلى القاهرة سيكون بعد أسبوع، وهو ما يعنى أن المصريين سيقضون العيد فى شوارع الخرطوم. كان الرجل الذى أجلس بجواره ذا اللحية البيضاء الصغيرة، يحمل وقاراً وهيبة غير عادية، تعتلى وجهه ملامح هادئة ويتشارك فى الشبه بالفنان رشدى أباظة، ظل ممسكاً بمسبحته رغم التوتر الذى يسود الرحلة، وهو يفكر فى نفس اللحظة، كيف سيقضى أسبوعاً كاملاً فى بلد لا يعرف فيه أحداً، ومعه عائلته الكبيرة. فجأة ومع اقتراب انفجار العقول والنفوس فى الطائرة، وقف الرجل وتوجه إلى زوجة المريض التى رفضت مغادرة الطائرة، ومال على أذنها، وهمس بها لدقائق، لنفاجأ جميعاً بأنها قامت وقد تبدلت ملامح وجهها، وأخذت متعلقاتها، وغادرت الطائرة لتلحق بزوجها الذى سبقها لسيارة الإسعاف فى أرض المطار. ثم بدأت العيون تنتقل مع الرجل وهو يتجاوز بضعة كراسى ليذهب نحو الراكب الغاضب، وبعد أن وقف بجواره لدقيقة، حتى جلسا بجوار بعضهما، ولم يستغرقا نحو سبع دقائق تقريباً، حتى قام الرجل وبصحبته الراكب الغاضب حاملاً حقيبته الصغيرة، واتجها نحو كابينة الطيار، وطلب من المضيفة أن توصله هاتفياً بالكابتن. أمسك الهاتف ولم نسمع ما الذى دار بينهما، لكننا وجدنا باب الكابينة يفتح ويخرج منها الطيار ليقدم الراكب الغاضب الاعتذار للطيار، ويهم بالذهاب وحوله سبعة أطفال قد حمل كل منهم متعلقاته، وعيون رجلى الأمن تترقبان، وما إن بلغا باب الطائرة، حتى ذهب الطيار لرجلى الأمن وطلب منهما أن يتركا الرجل وأسرته يعودون لمقاعدهم. استغرق إنزال حقائب الرجل المريض وزوجته قرابة الساعة تقريباً، قبل أن تتحرك الطائرة على أرض مطار أبوظبى، وتستعد للإقلاع نحو مطار الخرطوم بعد نحو ثلاث ساعات تقريباً من موعدها الأصلى، وأيقن الجميع أن أسبوعاً كاملاً سيقضونه فى المجهول، فى بلد لا يعرفون عنه شيئاً، سوى أن أهله طيبون.