بايدن.. المعتدل يتحدى المشاغب
بايدن.. المعتدل يتحدى المشاغب
ربما كان عنوان "المعتدل يواجه المشاغب"، هو الأقرب لتوصيف معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، الدائرة منذ فترة، والمقرر حسمها اليوم، في التصويت النهائي بالانتخابات، بين المرشحين الرئيسيين فيها، السيناتور ونائب الرئيس الأمريكي السابق، جون بايدن، والرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب.
يأمل بايدن، حسبما صرح بنفسه لشبكة سي إن إن الأمريكية، أن يكون "النقيض تماما لدونالد ترامب"، ويقدم نفسه في محاولته الثالثة هذه للترشح، لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، بعد محاولتين سابقتين في 1988 و2008، كمرشح معتدل يمتلك الخبرة السياسية والقدرة على التعاطف مع الآخرين، والانحياز للمهمشين، والوصول إلى حلول وسط.
عرف والده الفقر والثروة وعمل في تنظيف الأفران وبيع السيارات المستعملة
على عكس منافسه المرشح الجمهوري الملياردير ترامب، الذي كان والده صاحب شركة عقارات كبرى، يُرجع المرشح الديمقراطي "بايدن" المولود في 20 نوفمبر 1942، بمدينة سكرانتون العمالية، الفضل في "طيبته ومثابرته وتعاطفه مع الآخر"، بحسب تقرير لفرانس 24، إلى أصوله، وأبيه الذي عرف الفقر والثروة، وعمل في تنظيف الأفران وبيع السيارات المستعملة.
من والده المكافح استمد "بادين" جانبا من مقولاته، ومن أشهرها "يا بني، لا يصنف الرجل بعدد مرات فشله وسقوطه أرضا، بل بسرعة نهوضه"، وهي المقولة التي ربما تُلخص كثيرا من مسيرة بايدن الإنسانية والسياسية أيضا، بداية من تغلبه على تلعثمه وهو في المدرسة وسخرية أقرانه منه، بقراءته للشعر بصوت عال أمام مرآته، مرورا بأزماته العائلية والسياسية الكثيرة التي مر بها خلال تاريخه الحافل.
فقد زوجته وابنته وأصيب ابناه عام 1972 في حادث سير
في عامه الـ 29 قرر بايدن الذي كان قد سبق وحصل على شهادة المحاماة، أن يسلك طريق السياسة واستطاع التغلب على السيناتور الجمهوري المنتهية ولايته آنذاك عام 1972 ليصبح خامس أصغر سيناتور أمريكي في التاريخ، لكن بعد بضعة أسابيع توفيت زوجته نايليا وابنته ناعومي وأصيب ابناه صغيرا السن "بو وهانتر" في حادث سيارة، وهو الحادث الذي كاد أن يجعله يتخلى عن منصبه لولا أن أقنعه زملائه بالاستمرار، فأدى القسم بجوار سرير ابنيه في المستشفى.
خلال مسيرته السياسية، أصبحت قدرته على التوصل لاتفاقات مع الجمهوريين المعتدلين سمته المميزة، واستفاد من حنكته السياسية خلال التسعينيات للتوصل إلى اتفاقات بين الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة، حول مشاريع بيل كلينتون الأساسية، لا سيما حظر الأسلحة الهجومية واعتماد قانون خاص بالعنف ضد المرأة عام 1994، ورغم أن مهمته أصبحت صعبة في عهد باراك أوباما، لاسيما مع تربص الجمهوريين، فإنه لعب دورا حاسما في معظم اتفاقات اللحظة الأخيرة الخاصة بالموازنة لتجنب أو إنهاء ما عُرف بـ"الإغلاق الحكومي".
أعلن نيته عودة الولايات المتحدة لاتفاق باريس لمناخ الهادف للحد من التلوث
وعلى صعيد السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، وبالرغم من أخطاء في التقدير يأخذها البعض عليه، مثلما كان طلبه بتأجيل الهجوم على بن لادن بسبب عدم كفاية المعلومات المتوفرة، إلا أنه يبدو أنه في المجمل يقدم نسخة تبدو أكثر تمدنا وعقلانية ومسئولية من سياسات منافسه الرئيس الحالي، حيث يعد بالعودة لاتفاق باريس للمناخ الهادف للحد من الانبعاثات الضارة بالبيئة والمسببة للتغيرات المناخية، الذي انسحب منه ترامب، وكذلك الحال مع الاتفاق النووي الإيراني، الذي أدى انسحاب منافسه منه أيضا، لتأجيج نيران الصراع في الشرق الأوسط، كما أنه يأمل في ترميم العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة التقليدين في أوروبا وغيرها.
نائبته أول امرأة من أصول أفريقية يرشحها حزب كبير لهذا المنصب
أما قدرته على تقبل الآخر والاختلاف تبدت أكثر ما يكون أيضا في اختياره لنائبته كامالا هاريس، التي سبق وانتقدت مواقفه من سياسية الاندماج الاجتماعي والعرقي داخل الولايات المتحدة، خلال منافستها له في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وهي الاتهامات التي دافع بايدن عن نفسه فيها، مؤكدا تأيده لمبادرات مكافحة الفصل العنصري في المدارس، وفي كل الأحوال لم يمنع ذلك من اختيار كامالا لمنصب نائب الرئيس، كأول امرأة من أصول أفريقية يرشحها حزب كبير بالولايات المتحدة لهذا المنصب.
واليوم يواجه "بايدن المعتدل" الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط العمالية، والذي اعتبر أن حملته الانتخابية هي "حملة من تم اهمالهم وتهميشهم"، اختبار الحسم مع "الملياردير المشاغب" الذي يبدو غير مكترث بهذه الفئات والاعتبارات التي أعلن منافسه الانحياز لها.